مواجهة أمنية مفتوحة بين الاحتلال والمقاومة في غزة

04 يناير 2026   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
مقاتل من "حماس" في غزة، 1 ديسمبر 2025 (عمر القطاع/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تبنت إسرائيل تكتيكات جديدة بعد وقف إطلاق النار في غزة، تعتمد على تجنيد عملاء محليين لتنفيذ عمليات اغتيال، بينما تعزز المقاومة الفلسطينية منظومتها الأمنية وتفشل مخططات إسرائيلية.

- الباحث إسلام شهوان يشير إلى تخبط الاحتلال الإسرائيلي في الأداء الأمني، حيث يستخدم مرتزقة ووسائل تنصت، بينما تسعى المقاومة لاستعادة عافيتها الأمنية وفتح باب التوبة للمتعاونين غير المتورطين.

- الكاتب سليمان بشارات يوضح أن هدف الاحتلال هو تفكيك البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية عبر العملاء، مما يضعف البيئة الحاضنة للمقاومة رغم تحديات تجنيد العملاء.

منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أخذت المواجهة بين المقاومة والاحتلال طابعاً أمنياً مغايراً لذلك الذي كان قائماً خلال حرب الإبادة أو حتى قبلها.

اعترافات العملاء في غزة

وبات الاحتلال يتبع أسلوباً وسلوكاً أمنياً يقوم على فكرة تجنيد متعاونين محليين لتنفيذ عمليات اغتيال، دون تدخل ميداني مباشر لتفادي الخسائر في صفوف قواته أو تعرضهم للأسر في حال فشل هذه العمليات.

وعلى مدار نحو ثلاثة أشهر من عمر اتفاق وقف إطلاق النار، أعلنت منصات أمنية مقربة من حركة حماس، ومنها منصتا الحارس والمجد الأمني، إفشال عدد من المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تنفيذ عمليات خاصة.

أعلنت منصات أمنية مقربة من "حماس"، عن إفشال مخططات إسرائيلية رامية لتنفيذ عمليات خاصة

إلى جانب ذلك، تكشف هذه المنصات بشكل شبه دوري عن اعترافات لعملاء مع الاحتلال الإسرائيلي اعتُقِلوا في أثناء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع وبعدها، فضلاً عن نشر معلومات مرتبطة بالعصابات المتعاونة مع الاحتلال والموجودة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وفي 1 يناير/ كانون الثاني الحالي، أعلن مصدر أمني نقلت عنه منصة الحارس، أن المقاومة أحبطت محاولة اغتيال عبر استخدام دراجة آلية مفخخة، حيث استوردها تجّار في غزة عبر شركات موجودة في الداخل المحتل. وخلال شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نشرت ذات المنصات اعترافات لعدد من المتعاونين، في إشارة إلى حجم الجهد الأمني المبذول من المقاومة الفلسطينية لمواجهة الجهد الاستخباري الإسرائيلية.

وشهدت الفترة ذاتها الإفصاح عن تنفيذ حكم الإعدام في أحد المشاركين في عملية اغتيال الضابط في جهاز الأمن الداخلي أحمد زمزم وسط القطاع، قبل نحو شهرين، إلى جانب نشر معلومات متعلقة بالحدث نفسه بعد اعتقال أحد المتورطين في الحدث.

وفي الوقت الذي يكثّف فيه الاحتلال جهده الاستخباري، سواء المرتبط بعمليات التحليق المكثفة لطائرات الاستطلاع والكواد كابتر المسيّرة، أو الطيران التجسسي المتخصص، فإنه يعمل على محاولة تجنيد عملاء بشكل سريع عبر أدوات عدة.

في المقابل، تسعى المقاومة الفلسطينية لاستعادة عافيتها وإصلاح المنظومة الأمنية بعد الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار وعبر فتح باب التوبة أمام المتخابرين مع الاحتلال، ولا سيما أولئك غير المتورطين في تنفيذ عمليات اغتيال أو تسببوا في عمليات قتل لمقاومين أو شخصيات قيادية أو مواطنين.

التكتيكات الأمنية الإسرائيلية

في الأثناء، قال الباحث والمختص في الشأن الأمني، إسلام شهوان، إن الجهد الأمني الإسرائيلي من حيث المبدأ لم يتغير، إلا أن ما تغيّر هو كثافة العمل وتعدد الأساليب في فترة زمنية قصيرة، معتبراً أن هذا السلوك يعكس حالة تخبط وضعف في أداء المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

وأضاف شهوان في حديث لـ"العربي الجديد" أن الاحتلال بات يلجأ إلى استخدام عناصر مرتزقة، ووحدات خاصة، ووسائل تنصت رقمية، وبثّ الشائعات، وإنشاء مجموعات عبر تطبيقات التواصل، إضافة إلى محاولات الإسقاط المباشر عبر ضباط استخبارات يوجّهون رسائل تهديد وابتزاز للسكّان، في محاولة لإعادة بناء بنك أهدافه وتحديث معلوماته عن المقاومة ورجالاتها.

وأشار الباحث والمختص في الشأن الأمني إلى إحباط عدد من محاولات الاعتقال والاغتيال التي سعى الاحتلال لتنفيذها، وإلى ملاحقة المتورطين فيها، وإلقاء القبض على بعض منفذيها، وكشف خيوطها، معتبراً أن ذلك "يدلّ على مستوى عالٍ من النباهة والجاهزية لدى رجال المقاومة والمؤسسة الأمنية التابعة لها".

وفي ما يتعلق بالسلوك الأمني الإسرائيلي في غزة، وصف شهوان هذا السلوك بأنه "متشابك ومعقّد"، يقوم على جملة من الركائز، أبرزها الفشل الاستخباري البنيوي الذي تكشّف منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، سواء في الوصول إلى أماكن وجود الأسرى، أو في استهداف قيادات المقاومة، رغم مرور حرب طويلة ومعقدة.

إسلام شهوان: الاحتلال لا يزال يتعامل مع غزة بوصفها تهديداً أمنياً حقيقياً

ولفت إلى أن الاحتلال، في ظلّ هذا الفشل، لجأ إلى ممارسة "أقذر الأساليب الأمنية وأبشعها"، من خلال دعم مليشيات محلية، ومحاولات الإيحاء بوجود عملاء، إلى جانب الاعتماد المكثف على الحرب النفسية، وبثّ الشائعات، وزرع الفتنة، وتشتيت الجبهة الداخلية، في محاولة لانتزاع ردود فعل أو معلومات من خلال تفاعلات الناس اليومية.

وبيّن شهوان أن الاحتلال لا يزال يتعامل مع غزة بوصفها تهديداً أمنياً حقيقياً، وهو ما يفسّر تصاعد محاولات تسجيل "إنجاز أمني" بأي ثمن، عبر الاغتيالات، والاختطاف، ومحاولات التسلل الخاصة، مشيراً إلى نماذج محددة من هذه السلوكيات خلال الفترة الأخيرة. وحذر الباحث في الوقت ذاته من السلوك الإسرائيلي الذي يقوم على سياسة الابتزاز للسكّان الفلسطينيين في القطاع، مثل السفر والعلاج، بهدف انتزاع أكبر قدر ممكن من المعلومات الاستخبارية، إلى جانب الواقع المعيشي وتوفير الغذاء في ظلّ إدخاله للاحتياجات الأساسية "بالقطارة".

وخلال الفترة الماضية أعلنت المقاومة فتح "باب التوبة" مرات عدة، كان أبرزها بعد توقف حرب الإبادة فوراً، فيما كانت المرة الثانية قبل نحو شهر بعد عملية قتل وتصفية ياسر أبو شباب، زعيم أبرز المليشيات المتعاونة مع إسرائيل.
أهداف الاحتلال

سليمان بشارات: اللافت في المرحلة الراهنة هو السعي المنهجي لتكريس العملاء كأداة تنفيذية مركزية

بدوره، رأى الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي، سليمان بشارات، أن الهدف الاستراتيجي الشامل للاحتلال الإسرائيلي يتمثل بمحاولة تفكيك البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية بكل مقوماتها، سواء على مستوى البعد البشري المتمثل بالقيادات والناشطين والهيكلية التنظيمية، أو على مستوى القدرات والتسليح، مؤكداً أن الاحتلال لا يحيد عن استخدام أي وسيلة لتحقيق هذا الهدف.

وقال بشارات لـ"العربي الجديد"، إن إسرائيل تعتمد في هذا السياق على مروحة واسعة من الأدوات والأساليب، تشمل الاغتيالات الجوية، والاشتباكات المباشرة، والعمليات الخاصة، إضافة إلى توظيف العملاء، وهي أدوات استخدمها الاحتلال تاريخياً، إلا أن اللافت في المرحلة الراهنة هو السعي المنهجي لتكريس العملاء ليكونوا أداة تنفيذية مركزية.

وبحسب بشارات، يبدو الاحتلال الإسرائيلي أنه نجح، خلال العامين الماضيين من الحرب، في العمل على بناء شبكات من العملاء، يسعى لتحويلهم إلى أدوات مباشرة لتنفيذ أهدافه الأمنية، وهو ما يحقق له مكسباً مزدوجاً: تقليل الكلفة البشرية والسياسية المباشرة، وتفادي المخاطر الكبيرة التي قد تترتب عن إرسال وحدات خاصة أو تنفيذ عمليات توغل واشتباك مباشر داخل مناطق مكتظة بالسكان. واعتبر في هذا السياق أن أي خطأ في هذا النوع من العمليات قد يترتب عنه ثمن باهظ، لا يقتصر على الخسائر البشرية، بل يمتد ليطاول صورة إسرائيل ومكانتها الأمنية، وهو ما يدفعها إلى تفضيل هذا النمط من العمل غير المباشر، خصوصاً أنها تتعلم باستمرار من تجاربها السابقة في هذا المجال.

ولفت بشارات إلى أن أحد الأهداف المركزية لاستخدام العملاء يتمثل بخلق حالة من القلاقل داخل المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، عبر ضرب الثقة الداخلية، وإشاعة الشعور بالاختراق، وتقويض التماسك المجتمعي، بما يؤدي إلى إضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة، مبيناً أن الاحتلال يحاول من خلال ذلك الإيحاء بأنه نجح في اختراق ما عجز عن اختراقه لسنوات طويلة، خصوصاً أن تقارير إسرائيلية أقرّت بأن إسرائيل، منذ عام 2005، لم تنجح في تجنيد شبكات عملاء فاعلة وقادرة على تنفيذ مهام كبيرة داخل قطاع غزة.