منشأة دارخوين الإيرانية: مرآة الطموح النووي من الشاه إلى الثورة

21 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 13:42 (توقيت القدس)
لافتة ضخمة لمنشأة تخصيب يورانيوم في طهران، 28 أغسطس 2025 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- منشأة دارخوين النووية: تقع في خوزستان، تمثل رمزاً للاستقلالية الإيرانية بعد انسحاب الشركات الأجنبية وتصاعد العقوبات، وتعتمد على الكوادر المحلية لإنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام وقود نووي.

- ردود الفعل الإيرانية على القصف: طالبت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية باتخاذ إجراءات، ورد الحرس الثوري بهجوم صاروخي على شركة أمازون في البحرين، معتبرة الهجوم جزءاً من سلسلة هجمات غير قانونية.

- التاريخ والتطورات التقنية: بدأ المشروع في السبعينيات مع فرنسا وتوقف بعد الثورة الإسلامية، ثم حاولت إيران إحياءه في التسعينيات مع الصين، وفي 2006 بدأت تطوير مفاعل بقدرة 360 ميغاوات محلياً، ودخل مرحلة التنفيذ في 2022.

لم تكن منشأة "دارخوين" النووية مجرد موقع تقني عابر في الجغرافية النووية الإيرانية قبل أن تصبح في واجهة الأحداث خلال اليومين الأخيرين، عقب تعرضها للقصف فجر الأحد الماضي؛ بل هي، رغم عدم اكتمالها حتى الآن، "مرآة" تعكس مسار البرنامج النووي الإيراني الممتد لأكثر من خمسة عقود؛ وهو برنامج بدأ بطموحات ملكية مدعومة غربياً، وتحول بعد الثورة إلى مشروع وطني يسعى للتوطين رغم العقوبات والضغوط والحروب، بعدما تحول البرنامج إلى عنوان بارز للصراع بين إيران الثورة والغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية. كما تعكس المرآة امتدادات البرنامج النووي الإيراني الجغرافية في البلاد، من طهران إلى قم، وأصفهان، وبوشهر، لتستقر في خوزستان حيث تقع دارخوين.

تقع منطقة دارخوين في قضاء شادغان على ضفاف نهر كارون، وتبعد حوالي 70 كيلومتراً عن مدينة الأهواز، مركز محافظة خوزستان في جنوب غربي إيران. تمثل منشأة "دارخوين"، التي كانت ما زالت قيد الإنشاء قبل القصف، أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي راهنت عليها إيران بعد خروج الشركات الأجنبية وتصاعد العقوبات الغربية، حيث اعتمدت في تنفيذها على الكوادر والخبراء المحليين. وفي أعقاب الهجوم الأخير، وصفت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، في بيان رسمي، المنشأة بأنها "رمز للعزة والاكتفاء الذاتي العلمي للوطن".

وتختلف طبيعة مفاعل دارخوين عن منشآت نطنز في أصفهان وفوردو في قم، إذ يستهلك المفاعل، حال اكتماله، وقوداً نووياً يُنتج في تلك المنشآت لتخصيب اليورانيوم، وهو ما يضع "دارخوين" ضمن فئة المنشآت النووية المدنية المخصصة لإنتاج الطاقة الكهربائية.

 

ردود إيرانية دبلوماسية وعسكرية على قصف "دارخوين"

بعيد قصف المنشأة فجر الأحد، وجّه رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، رسالة إلى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، طالب فيها باتخاذ إجراءات فعالة ضد هذا الاستهداف، معتبراً أن التعدي على المنشآت النووية يهدد نزاهة وفاعلية المعايير العالمية لمنع الانتشار النووي. كما أكد الحرس الثوري الإيراني، في بيانه الـ39، اليوم الثلاثاء، أنه رداً على الهجوم الأميركي على منشأة "دارخوين" النووية قيد الإنشاء، شنت قواته هجوماً بعدة صواريخ كروز على البنية التحتية المركزية لبيانات شركة "أمازون" الأميركية في البحرين ودمّرتها.

من جانبها، قدمت البعثة الدائمة لإيران لدى الأمم المتحدة في فيينا، اليوم، قراءة قانونية وسياسية لهذا الهجوم، واصفة إياه بأنه "الموجة الثامنة عشرة" من الهجمات ضد المنشآت المدنية منذ بدء التصعيد المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو/حزيران 2025. وأكدت البعثة أن هذه العمليات ليست سوى حلقة في سلسلة من الممارسات غير القانونية التي تستهدف البنية التحتية غير العسكرية، نافية مزاعم "مخاوف الانتشار" التي يروج لها المتجاوزون، ومعتبرة أنها "أكاذيب وتضليل" لتبرير أهدافهم غير المشروعة ضد بلد يرفض الاستسلام.

بقائي: صمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن قصف "دارخوين" لا يعزز ثقة طهران بها

وفي سياق متصل، وجّه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أمس الاثنين، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي، انتقادات حادة لـ"صمت" الوكالة الدولية للطاقة الذرية إزاء قصف "دارخوين"، مؤكداً أن هذا الموقف لا يعزز ثقة طهران بالوكالة. وشدد بقائي على أن المنشأة كانت خاضعة لرقابة الوكالة وكانت مُعدّة لإنتاج الطاقة، معتبراً أن استهدافها دليل على أن المشكلة الأميركية ليست مع السلاح النووي، بل مع "الصناعة والازدهار الاقتصادي ورفاهية الشعب الإيراني".

خلفية تاريخية

تعود بدايات القصة إلى النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، حين اختارت الحكومة الإيرانية، في عهد الشاه، منطقة دارخوين بمحافظة خوزستان موقعاً استراتيجياً لإنشاء مفاعلين بقدرة 910 ميغاوات من نوع "الماء الخفيف المضغوط"، وذلك بالتعاون مع شركات فرنسية. ولكن بعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، قامت الحكومة الفرنسية، تحت ضغوط دولية وأميركية، بوقف المشروع من طرف واحد. ويشير موقع "خبر أونلاين" الإيراني إلى أن إيران كانت قد استثمرت آنذاك مليار دولار في شركة "يوروديف" الفرنسية للتخصيب، مشيراً إلى أن الحكومة الفرنسية آنذاك جمّدت هذه الأموال. وقال الموقع إن الفضل في جزء كبير من الكهرباء النووية التي تنتجها فرنسا اليوم يعود إلى ذلك الاستثمار الإيراني التاريخي.

في تسعينيات القرن الماضي، حاولت طهران إحياء المشروع عبر صفقة مع الصين لبناء مفاعلين بقدرة 300 ميغاوات لإنتاج الكهرباء، غير أن الضغوط السياسية الأميركية دفعت الصين إلى التخلي عن العقد عام 1995 قبل البدء بأي أعمال تنفيذية. ودفع هذا الرفض المتكرر من الدول النووية منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إلى البدء بالتفكير في الاعتماد الكلي على القدرات المحلية، وهو ما أطلق مرحلة التوطين في الصناعة النووية الإيرانية.

مسار "التوطين"

في عام 2006، تم اعتماد التصميم المفاهيمي لمفاعل بقدرة 360 ميغاوات (IR-360)، بناءً على تجارب مفاعل "IR-40" في أراك. وفي عام 2007، انطلقت مرحلة التصميم الأساسي بمشاركة 220 خبيراً إيرانياً تحت إدارة "شركة مسنا". واستلهم المهندسون الإيرانيون نموذجهم من مفاعل "بزنائو" السويسري (Beznau). ولكن في عام 2009، تدخلت الإدارة الأميركية لمنع التعاون التقني مع إيران بدعوى نقل بيانات تقنية ومعلومات دقيقة وتدريب خبراء إيرانيين. وبعد ذلك، منعت الحكومتان السويدية والسويسرية شركة "كولنكو" (Colenco) من التعاون مع إيران، مما أدى إلى تباطؤ المشروع بشكل حاد نتيجة الحرمان من البرمجيات المتقدمة والمعدات.

ثم أعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، في عام 2007، طرح خطة لبناء مفاعل مياه خفيفة بقدرة 360 ميغاوات في "دارخوين"، أُطلق عليه اسم (IR-360). غير أن تلك المناقصة لم تلقَ استعداداً من أي شركات أجنبية للمشاركة فيها وإبرام عقود. ووفقاً للجدول الزمني الذي وضعته المنظمة حينها، كان من المفترض أن يستغرق بناء المحطة حوالي تسع سنوات، لتدخل حيز التشغيل الفعلي بحلول عام 2016، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق.

دخل المشروع قبل خمس سنوات مرحلة التنفيذ الفعلي تحت مسمى جديد هو "محطة كارون النووية"

وقبل خمس سنوات، دخل المشروع مرحلة التنفيذ الفعلي تحت مسمى جديد هو "محطة كارون النووية". وفي 12 ديسمبر/كانون الأول 2022، أعلن محمد إسلامي بدء الأعمال الإنشائية للمحطة بقدرة 300 ميغاوات على مساحة 50 هكتاراً. وقُدرت التكلفة المالية لهذا المشروع بنحو ملياري دولار، مع جدول زمني للتنفيذ يمتد لثماني سنوات. وقد ركزت هذه المرحلة على بناء القدرات الذاتية، حيث أعلنت السلطات الإيرانية قدرة الشركات المحلية على تصنيع المعدات الميكانيكية الثابتة، وأوعية ضغط المفاعل، ومضخات التبريد للدورة الأولية.

مراقبة غربية لمنشأة "دارخوين"

مع تصاعد وتيرة العمل في "دارخوين" (كارون)، بدأ الاهتمام الغربي بالمنشأة يأخذ منحى مهماً وتحذيرياً. ففي مارس/آذار 2024، نشر "معهد العلوم والأمن الدولي" (ISIS) تقريراً اعتبر فيه أن المشروع ليس مجرد محطة لإنتاج الطاقة، بل دليل على نمو قدرة إيران في التصميم والبناء المستقل للمفاعلات النووية.

ويؤكد هذا التقرير أن إيران لا تقتصر على تصميم المفاعل فقط، بل تعمل أيضاً على تطوير قدراتها المحلية في إنتاج الوقود النووي، وصناعة المعدات الاستراتيجية، وإدارة سلسلة التوريد الخاصة بمحطات الطاقة النووية؛ وهو ما يرى معه هذا المركز البحثي أنه سيرفع من مكانة إيران في مجال التكنولوجيا النووية.

وبالتوازي مع ذلك، اندلع خلاف تقني وقانوني بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ففي تقريره الفصلي الصادر في فبراير/شباط 2024، اعتبر رافاييل غروسي أن بدء أعمال الحفر في دارخوين يُعد انتهاكاً لـ"النسخة المعدلة من الكود 3.1" (الترتيبات الفرعية لاتفاق الضمانات الملحق بمعاهدة عدم الانتشار النووي)، الذي يُلزم الدول بإبلاغ الوكالة بتصميم أي موقع نووي فور اتخاذ قرار بنائه. وحينها، تردّ إيران بأنها، ونظراً لانسحاب الغرب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 وفشلهم في تنفيذ التزاماتهم، قد علّقت العمل بـ"الكود المعدل"، وهي ملتزمة بـ"الكود القديم" الذي يقتضي تقديم معلومات التصميم قبل ستة أشهر فقط من بدء حقن المواد النووية في المفاعل.

لكن يُفهم من تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر بتاريخ 27 فبراير/شباط 2026 أن مفتشي الوكالة قاموا، قبل حرب يونيو/حزيران 2025، بزيارة الموقع، حيث وصفت الوكالة محطة "كارون" في دارخوين بأنها لا تزال في "مراحل البناء الأولية". وأوضحت الوكالة في تقريرها حينها أنها لم تزر الموقع بعد الحرب، إلا أنها أشارت إلى عدم وجود مواد نووية في الموقع، مما جعل عملية تفتيش المواد خارج جدول أعمالها في ذلك الحين.

من جهة أخرى، أظهرت تقارير "الرابطة النووية العالمية" (World Nuclear Association) في يونيو/حزيران 2026 صورة أكثر تفصيلاً، حيث أكدت أنه رغم بدء عمليات تهيئة موقع المشروع فعلياً منذ عام 2022، فإن البناء الرسمي للمفاعل لم يكن قد سُجل رسمياً حتى مارس/آذار 2026. وينعكس هذا الوضع في "نظام معلومات مفاعلات الطاقة" (PRIS) التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يُعد المرجع العالمي الرسمي لتصنيف حالة المفاعلات النووية، إذ يظهر في هذا النظام مفاعل بوشهر 1 كمنشأة "قيد التشغيل"، ومفاعل بوشهر 2 كمنشأة "قيد الإنشاء"، بينما لا يزال مفاعل "كارون" (دارخوين) خارج هذين التصنيفين.