استمع إلى الملخص
- تعزيز الشراكات الدفاعية: يهدف المشروع إلى إنشاء سوق دفاع أوروبي موحد، مع شرط أن يكون 65% من الأسلحة مُنتجة في الاتحاد الأوروبي أو دول شريكة. بولندا، رومانيا، وفرنسا من أكبر المستفيدين، مع شراكات أمنية مع دول مثل النرويج وكوريا الجنوبية.
- التحديات الأمنية والاستجابة: تأتي هذه الجهود في ظل تزايد التهديدات الروسية، مما دفع الاتحاد الأوروبي لتعزيز جاهزيته الدفاعية بإنشاء "جدار طائرات مسيّرة" وزيادة الإنفاق الدفاعي، مع التركيز على التعاون بين الدول الأعضاء.
دخلت استراتيجية الدفاع الأوروبي حيز التنفيذ، ويشهد مشروع الدفاع الأوروبي في هذه الفترة خطوات متسارعة على مستوى دول الاتحاد، بعد أن أقرته المفوضية الأوروبية في سبتمبر/أيلول الماضي. وهو عبارة عن آلية على شكل قروض طويلة الأجل، تمنحها المفوضية بأسعار فائدة تفضيلية، تسمح للدول الأعضاء بإجراء عمليات شراء أسلحة مشتركة مع دولتين مشاركتين على الأقل، إحداهما دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. وصار واضحاً حجم القرض المالي، الذي ستحصل عليه كل دولة من موازنة الصندوق في مرحلة الانطلاق، والتي تبلغ 150 مليار يورو حدّاً أدنى، في حين أن السقف المنظور قد يصل إلى 800 مليار يورو.
جرى إطلاق مشروع الدفاع الأوروبي في شهر مارس/آذار الماضي، وسط التغييرات الجذرية التي شهدتها العلاقات الأميركية الأوكرانية، وتعليق الرئيس الأميركي دونالد ترامب المساعدات العسكرية لكييف، والتهديدات التي أطلقها بتخفيف الولايات المتحدة التزاماتها الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وترافق ذلك مع تكرر خرق طائرات حربية ومسيّرة روسية أجواء العديد من الدول الأوروبية. وورد في تصريحات عدد من مسؤولي الاتحاد أن هدف المشروع إعادة تسليح القارة الأوروبية في مواجهة الانسحاب الأميركي والتهديد الروسي.
الخطة عرضتها رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، في مارس الماضي في بروكسل، من أجل اعتماد 800 مليار يورو لتمويل مشروع الدفاع الأوروبي الذي حمل اسم "الأمن من أجل أوروبا" (safe) وذلك من أجل المشتريات العسكرية الدفاعية الأوروبية المشتركة، وتجديد المخزونات العسكرية، وتعزيز صناعة الدفاع الأوروبية، ولكن يمكن للدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل النرويج وبريطانيا وأوكرانيا وتركيا وكندا المشاركة فيه. وستُعامل أوكرانيا ودول المنطقة الاقتصادية الأوروبية (EFTA) بنفس معاملة الدول الأعضاء. ولن يقتصر الأمر على تمكينها من المشاركة في عمليات الملكية المشتركة، بل ستخضع صناعاتها أيضاً لنفس معاملة صناعات الدول الأعضاء.
غالبية مشتريات دول الاتحاد الأوروبي الحالية من الأسلحة تتم من خارج أوروبا، خصوصاً من الولايات المتحدة
مشروع الدفاع الأوروبي يعزّز الشراكات
تطمح أوروبا لإنشاء سوق دفاع أوروبي، وبموجب برنامج مشروع الدفاع الأوروبي ستحشد المفوضية ما يصل إلى 150 مليار يورو في أسواق رأس المال للاستثمار في مجالات دفاعية رئيسية: الدفاع الجوي الصاروخي، الطائرات من دون طيار، الذخائر، النقل العسكري وغيرها. ووافقت الدول الأعضاء على توصية المفوضية بأنه للاستفادة من أموال الاتحاد الأوروبي، يجب أن يكون 65% على الأقل من قيمة نظام الأسلحة المُشترى مُنتجاً في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، أو أوكرانيا، أو دولة من دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية أو رابطة التجارة الحرّة الأوروبية. وللقيام بذلك، يجب عقد شراكة أمنية ودفاعية مع الاتحاد الأوروبي، وهو شرط أساسي لإبرام اتفاقية ثنائية ثانية تُتيح لأي دولة الاستفادة من هذا البرنامج تحديداً. ومن المعروف أن الاتحاد الأوروبي، لديه العديد من شراكات الأمن والدفاع هذه مع النرويج، ومولدوفا، وألبانيا، والمملكة المتحدة، وكوريا الجنوبية، واليابان.
وهناك سبب إضافي يقف وراء قرار تشديد الاتحاد الأوروبي على ضرورة تشجيع الاستثمار في قطاع الدفاع الأوروبي، يتمثل في أن غالبية مشتريات دول الاتحاد الأوروبي الحالية من الأسلحة تتم من خارج أوروبا، خصوصاً من الولايات المتحدة.
وبدأت الدول الأعضاء بتقديم تصوراتها المالية قبل انتهاء مهلة ستة أشهر من تاريخ دخول اللائحة حيز النفاذ لتقديم خططها الوطنية. وأعلنت فرنسا أنها ستقترض 16.2 مليار يورو لتمويل استثماراتها في 12 مجالاً دفاعياً ذي أولوية، أنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والمدفعية، والأمن السيبراني، وغيرها. وستكون ثالث أكبر مستفيد من مشروع الدفاع الأوروبي بالتساوي مع المجر. ومن المتوقع أن تقترض بولندا مبلغ 43.7 مليار يورو وستكون بذلك المستفيد الأكبر، تليها رومانيا 16.7 مليارا، وإيطاليا 14.9 مليارا، وبلجيكا 8.3 مليارات، كما ستحصل دول البلطيق على تمويل كبير نسبياً، يفوق ما تحصل عليه الدنمارك أو فنلندا، على سبيل المثال. وعلّق خبير دفاع في بروكسل لصحيفة لوموند الفرنسية بقوله: "عندما نحلل هذا التوزيع، نلاحظ أن هذه الأداة مثالية للدول منخفضة الديون خارج منطقة اليورو، والتي تقترض بأسعار فائدة مرتفعة في الأسواق... لذلك، ليس من المستغرب أن تحصل بولندا والمجر على قروض كبيرة جداً مقارنة بميزانتيهما العسكرية".
في حال موافقة المفوضية، يُمكن للدول الأعضاء طلب دفعة أولية تصل إلى 15% من إجمالي التكلفة المُقدرة. وسيُطلب منها بعد ذلك إطلاع المفوضية على تقدم المشروع كل ستة أشهر، ما قد يؤدي إلى صرف دفعات إضافية. وقد تتم الموافقة النهائية على الصرف حتى نهاية عام 2030. وسيتم تنفيذ المشاريع بشكل رئيسي من قِبل صناعة الدفاع الأوروبية. ويمكن أن يأتي الباقي من دول غير مُشاركة في البرنامج، مثل الولايات المتحدة، بنسبة تصل إلى 35%.
بالنسبة للدول من خارج الاتحاد الأوروبي لم تبدأ أي دولة بعد في التفاوض على الانخراط في مشروع الدفاع الأوروبي. وهناك الكثير من التفاصيل المتروكة لمفاوضات شريطة توقيع اتفاقية أمنية مع المفوضية الأوروبية. ووقّع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اتفاقية شراكة أمنية ودفاعية جديدة مع الاتحاد الأوروبي كجزء من خطته "لإعادة ضبط" علاقة بلاده مع بروكسل، ما يمثل الخطوة القانونية الأولى نحو الانضمام إلى نظام المشتريات المشتركة. واعتمدت المفوضية الأوروبية قراراً يُجيز بدء المفاوضات مع بريطانيا وكندا، على التوالي. وتهدف المفاوضات مع هذين البلدين إلى تحديد الشروط التي يمكن بموجبها توسيع نطاق هذه المعاملة لتشمل الشركات والمنتجات البريطانية والكندية.
بولندا أكبر المستفيدين من البرنامج تليها رومانيا ثم فرنسا
ولمنع أي دولة ثالثة من التحكم عن بُعد في الأسلحة المُنتجة باستخدام أحد مكوناتها، ستكون هناك سلطة مركزية مسؤولة عن ضمان استحالة ذلك. تتمثل الفكرة، على سبيل المثال، في منع التحكم عن بُعد من قبل الولايات المتحدة بالشركة الأميركية المُصنِّعة للبرمجيات المُدمجة في طائرة أوروبية مُسيَّرة، طُوِّرت عبر البرنامج، وذلك لضمان أن تخدم الاستثمارات مصالح الاتحاد الأوروبي الأمنية والدفاعية، وتُعزِّز القاعدة التكنولوجية والصناعية الدفاعية الأوروبية.
اقترحت المفوضية خطة SAFE لمساعدة الدول على تجديد مخزوناتها العسكرية بسرعة، بعد أن تعثر الاقتراح السابق لبرنامج الصناعات الدفاعية الأوروبية (EDIP)، الذي كان يهدف إلى تعزيز المشتريات المشتركة، وزيادة إنتاج الصناعات الدفاعية، في مفاوضات مطولة. وحصل تجاوب كبير من قبل الدول الأوروبية التي أبدت استعدادها لزيادة الإنفاق الدفاعي بشكل كبير، وسبق لأغلبها أن رفض التجاوب مع دعوات ترامب لرفع مساهمتها في الموازنة الدفاعية لحلف الأطلسي من 2 إلى 5% من الناتج الخام المحلي، حيث اعتبرتها عالية جداً من جهة، ومن جهة أخرى ليس هناك ما يستوجب ذلك في ظلّ عدم وجود تهديدات مباشرة لأمن القارة. وكانت هناك قناعة بأن التهديدات الأمنية تتعلق بالإرهاب القادم من خارج أوروبا، ولكن حرب روسيا على أوكرانيا واستفزازها لبولندا ودول البلطيق غيّرت المعطيات.
إعادة تسليح أوروبية
يعد البرنامج الركيزة الأولى لخطة "إعادة تسليح أوروبا" والاستعداد لرفع جاهزية أوروبا الدفاعية بشكل حاسم خلال السنوات الخمس المقبلة، وتعزيز تمويل الدفاع الوطني من خلال تفعيل بند الضمانات الوطنية في ميثاق الاستقرار والنمو الأوروبي، وجعل مؤسسات الاتحاد، المعنية بدعم المناطق الأقل نمواً، أكثر مرونةً للسماح بزيادة الاستثمار في الدفاع، وتكملة التمويل العام بمساهمات من بنك الاستثمار الأوروبي، وتعبئة رأس المال الخاص.
يبدو واضحاً من الخطوات المتسارعة عزم 19 دولة عضواً بالفعل عن نيتها المشاركة وطلب دعم يتجاوز الميزانية المتاحة. ويتعين على الدول التي طلبت التمويل الآن استكمال طلباتها وإرسالها إلى المفوضية الأوروبية بحلول 30 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي من أجل موافقة المجلس الأوروبي على القروض النهائية. وجاء ذلك بعد أن شهد شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي مستوى غير مسبوق من الانتهاكات لأجواء "ناتو"، تُنسب بعضُها إلى روسيا، واعتبر بعض المسؤولين الأوروبيين هذه الحوادث اختباراً روسياً لاستجابة الحلف، ما أثار تساؤلات حول مدى جاهزيته لمواجهة موسكو.
ومنذ أول اختراق لطائرات مسيّرة روسية أجواء بولندا في أوائل سبتمبر الماضي، سجّلت دول "ناتو" في شمال أوروبا ما لا يقل عن 38 حادثة أخرى شملت اسكندنافيا وبلجيكا ودول البلطيق، بحسب "مركز التحليل السياسي الأوروبي" في واشنطن. ونفت روسيا مراراً أي صلة لها بهذه الحوادث. وقد أجبرت إحدى هذه الحوادث في بولندا طائرات "ناتو" على الإقلاع لاعتراض الطائرات الروسية، في أول مواجهة مباشرة بين "ناتو" وموسكو منذ اندلاع الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022. وتجنباً لاندلاع نزاع عسكري واسع، رافقت طائرات "ناتو" في 20 سبتمبر الماضي ثلاث طائرات حربية روسية لإخراجها من أجواء إستونيا، بعدما حلّقت مدة 12 دقيقة في أجواء إستونيا. ومنذ ذلك الحين، حصلت طلعات مماثلة قرب المطارات والمنشآت العسكرية والبنى التحتية الحيوية في أنحاء أوروبا، ما دفع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي إلى الاتفاق على إنشاء "جدار طائرات مسيّرة" على الحدود لرصد وتتبع واعتراض أي طائرات مسيّرة تنتهك الأجواء الأوروبية.