ما يملكه الاتحاد الأوروبي من أدوات لمواجهة ضغوط ترامب
استمع إلى الملخص
- يمتلك الاتحاد الأوروبي أدوات ضغط مؤثرة على المصالح الأميركية، لكن تفعيلها يواجه تحديات سياسية واقتصادية وانقسامات داخلية، مما يعقد تبني سياسات تصعيدية.
- تمر العلاقة الأميركية-الأوروبية بمرحلة إعادة ضبط، حيث تتداخل المصالح المشتركة مع الخلافات، ويستمر النقاش الأوروبي حول تعزيز التحرك المستقل أو إدارة الخلافات بحذر.
أعادت أزمة غرينلاند تسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكنها ليست سوى حلقة ضمن سلسلة ملفات كشفت العام الماضي عن تباينات متزايدة في أولويات الطرفين واختلال موازين التأثير داخل الشراكة عبر الأطلسي. من الحرب في أوكرانيا إلى الخلافات التجارية والمواقف الأميركية من السياسة الأوروبية الداخلية، تتراكم مؤشرات على علاقة لم تعد تقوم فقط على التنسيق التقليدي، بل على إدارة مستمرة للاختلاف، في ظل نقاش أوروبي حول حدود القدرة على بلورة موقف موحّد تجاه واشنطن.
عام على عودة ترامب… حذر أوروبي مستمر
منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تبنّت غالبية العواصم الأوروبية مقاربة تقوم على ضبط الخلافات مع واشنطن وتجنّب التصعيد المباشر، سعياً للحفاظ على تماسك حلف الناتو وتفادي تداعيات اقتصادية وأمنية صعبة الاحتواء. وفي هذا السياق، أشار تحليل صادر عن مؤسسة روبرت شومان في النمسا بعنوان "الأوروبيون وترامب: العار، العجز أم التأثير؟" إلى أن القادة الأوروبيين "عملوا بوتيرة دبلوماسية لتجنّب الانقسامات داخل الحلف، لكن ذلك ترك انطباعاً لدى الرأي العام الأوروبي بشعور من الضعف أمام الضغوط الأميركية"، وفق الأكاديمي السابق ماكسيم لوفبراف.
ويرى لوفبراف أن هذا الحذر "انعكس على قدرة الاتحاد الأوروبي على استخدام أوراق الضغط المتاحة، فبدلاً من سياسات متوازنة، اكتفى الاتحاد في كثير من الملفات بإدارة الخلافات بالكلام، ما ترك قضايا أساسية، مثل الرسوم الجمركية والأمن الأوروبي، دون ردات فعل عملية ملموسة".
غرينلاند واختبار القرار الأوروبي
لم يعد ملف غرينلاند شأناً دنماركياً فقط، بل أصبح جزءاً من نقاش أوروبي أوسع بسبب أهميته الاستراتيجية في القطب الشمالي. وتؤكد دول أوروبية أن أي خطوة أميركية أحادية، بما في ذلك "الضم" أو التلميح الأميركي الأخير لعمل عسكري، ستتطلب رداً جماعياً، لأن المسألة تمس جوهر السيادة الأوروبية وأمنها الاستراتيجي.
وفي بيان مشترك، شدد قادة دول أوروبية على أن غرينلاند "ملك لشعبها وأن تقرير مستقبلها يعود للدنمارك وغرينلاند وحدهما، مع تأكيد أن أمن القطب الشمالي يجب أن يُدار جماعياً ضمن إطار الناتو". ومع ذلك، تصطدم بلورة رد موحّد بتباين تقديرات المخاطر بين الدول الأعضاء.
أدوات ضغط أوروبية محتملة
وفي تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز، نقل عن خبراء اقتصاديين وسياسيين أن الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات يمكن أن تؤثر في المصالح الأميركية إذا ما استُخدمت جماعياً ومنسقاً. ووفقاً للتقرير، فإنه "في مقدمة هذه الأدوات السياسات التجارية، يمكن للاتحاد الأوروبي فرض رسوم جمركية أو ضرائب تنظيمية على واردات أميركية محددة، أو تفعيل آليات الدفاع التجاري". ووفق تقرير آخر لصحيفة لوموند "يمكن توسيع هذه الإجراءات لتشمل سلعاً حساسة سياسياً واقتصادياً، كما استعد الاتحاد الأوروبي سابقاً لفرض رسوم مضادة على سلع أميركية بقيمة 93 مليار يورو".
كما يملك الاتحاد الأوروبي هامشاً لتنظيم قطاع الخدمات، الذي تحقق فيه الولايات المتحدة فائضاً تجارياً كبيراً، لا سيما في القطاعات المالية والرقمية، وفق تقرير سابق لوكالة رويترز. وفي المجال التكنولوجي، يُعد الاتحاد الأوروبي لاعباً تنظيمياً مؤثراً من خلال قوانين تنظيم الأسواق الرقمية وحماية البيانات، ما قد يؤثر على شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، بحسب موقع الاتحاد الأوروبي وتقرير موسع ليورو نيوز في 22 ديسمبر/كانون الأول.
وفي المجال الصناعي، يشير مختصون إلى أدوات تتعلق بسلاسل التوريد، خصوصاً في قطاعات مثل الصناعات الدوائية أو المواد الخام الاستراتيجية، حيث تعتمد بعض الشركات الأميركية على مكونات أو تراخيص تصدير مصدرها أوروبا.
على المستوى الأمني، يُطرح أحياناً إمكان مراجعة أطر التعاون الدفاعي والاستخباراتي أو إعادة تقييم الوجود العسكري الأميركي في بعض الدول الأوروبية، بحسب الباحث البارز إيّان ليسر من German Marshall Fund والمتخصص في القضايا الدفاعية سفين بيسكوب. لكن الخيارات الأمنية تبقى شديدة الحساسية سياسياً. وتشدد الخبيرة الألمانية كونستانس شتيلتسنمولر من مؤسسة بروكينغز على أن أي نقاش حول تقليص التعاون الاستخباراتي أو العسكري مع واشنطن يبقى محدوداً بسبب الخوف الأوروبي من روسيا وعدم جاهزية البدائل.
حسابات الكلفة والانقسام الداخلي
رغم توافر الأدوات، يشدد تحليل صادر عن البرلمان الأوروبي وخبراء مثل بيتر فان هوت من Centre for European Policy Studies (CEPS) إلى أن العائق الأساسي هو الكلفة السياسية والاقتصادية، "فأي تحرك تصعيدي قد يؤثر على اقتصادات الدول الأعضاء وشركاتها الكبرى، من الصناعة والزراعة إلى النقل والخدمات المالية، ما يجعل الحكومات مترددة في تبني سياسات تصعيدية".
إضافة إلى ذلك، يواجه الاتحاد الأوروبي حسب التحليل، "تحدياً بنيوياً يتمثل في تعدد الدول الأعضاء ذات الأولويات السياسية والاقتصادية المختلفة، ما يصعّب التوصل إلى موقف موحد ويؤدي غالباً إلى حلول وسطية تقلل فعالية الرد".
علاقة قيد إعادة التوازن
تمرّ العلاقة الأميركية - الأوروبية بمرحلة إعادة ضبط، تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية المشتركة مع خلافات متزايدة حول إدارة الملفات الحساسة، بحسب "المجلس الأطلسي" (مؤسسة بحثية في مجلس الشؤون الدولية). وبينما تؤكد التصريحات الرسمية الالتزام بالشراكة عبر الأطلسي، يواصل الاتحاد الأوروبي نقاشاً داخلياً حول حدود الاعتماد على واشنطن وإمكانات تعزيز هامش التحرك المستقل عند الضرورة.
يبقى السؤال المفتوح داخل الأوساط الأوروبية هو ما إذا كانت التطورات الراهنة ستدفع نحو تفعيل الأدوات المتاحة وصياغة موقف أوروبي أكثر تماسكاً، أم أن نهج الحذر وإدارة الخلافات سيظل الخيار الغالب، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على مستقبل التوازن داخل النظام الغربي.