استمع إلى الملخص
- يشهد المشهد السياسي توترًا كبيرًا، حيث قد يؤدي فشل الحكومة في الحصول على الثقة إلى حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة، وهو ما يفضله اليسار الراديكالي واليمين المتطرف.
- يروج حراك "لنُغلق كلّ شيء" لمطالب اجتماعية واقتصادية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويكتسب دعمًا شعبيًا واسعًا، حيث يؤيده 63% من الفرنسيين.
لن تكون العودة بعد العطلة الصيفية هادئة هذا العام بالنسبة إلى الفرنسيين. ففي جوّ يصفه الإعلام الفرنسي بـ"المُكهرب"، تعتزم الحكومة برئاسة فرانسوا بايرو، طلب الثقة من البرلمان في 8 سبتمبر/أيلول الحالي، وهو مسار "الحلّ الأخير" الذي اختاره بايرو، لاختبار إمكانية تمرير إصلاحات تقشفية قاسية على الفرنسيين. في المقابل، يتحضر الشارع الفرنسي في 10 سبتمبر، لاختبار دعوات "لنُغلق كلّ شيء" (bloquons tout)، وهو حراك انطلق منذ الربيع الماضي، عبر الإنترنت، من "تليغرام" إلى "فيسبوك" إلى "إكس"، تحت شعارات "المقاطعة" و"العزل" و"التوحد" و"التمرد"، لكنه لا يزال غير واضح الهوية، ولا يتبناه أي حزب. الحراك الذي كان حساب "الأساسيون" (les essentiels)، القريب من اليمين المتطرف ومن بعض وجوه "السترات الصفراء"، وهو تيار "سيادي" يدعو إلى خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي (فريكست)، أول ما تداول مبادرته، لم يمنع أقطاباً عدة من اليسار، وبعض النقابات، من الميْل لدعمه، لعدم تفويت الفرصة، والاستفادة من زخمه والتلقف الفرنسي له في الفضاء العام.
وتبدو محطة 8 سبتمبر في فرنسا مفصلية، لجهة استباق يوم الإغلاق والاحتجاج، وحتى العصيان الشعبي، كما يدعو "لنُغلق كلّ شيء" الذي يريد لتحركاته أن تكون طويلة الأمد، في وجه ما يرى فيه تمادياً لدى السلطة في تحدي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفرنسيين. علماً أن النقابات العمّالية دعت إلى إضراب آخر في 18 سبتمبر، ولم تنضم كلّها إلى دعوات الإغلاق التي يطلقها bloquons tout. ومن السيناريوهات المطروحة، إذا ما حُرمت حكومة بايرو ثقةَ الجمعية الوطنية، ذهاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
إلى حلّ البرلمان، والدعوة إلى انتخابات مبكرة، في ظلّ الانسداد السياسي الحاصل، الذي تغذّيه أزمة المديونية المُفرطة التي تعيشها البلاد. هذا السيناريو محتمل إلى حدّ كبير، وهو ما يرغب فيه اليسار الراديكالي واليمين المتطرف على حدّ سواء، وهما أكبر قوتين منفردتين داخل البرلمان، فيما لا يملك الحزب الاشتراكي، الذي اعتبر نفسه في مرحلة التعافي بعد الانتخابات المبكرة التي شهدتها البلاد العام الماضي (62 نائباً للحزب)، رفاهية البقاء في خط ضبابي، أو الموافقة على خطط الحكومة.حراك "لنُغلق كلّ شيء"
من حركة "الوقوف ليلاً" nuit debout، إلى حركة "السترات الصفراء"، واليوم حراك "لنُغلق كلّ شيء" (bloquons tout)، تتعدد التسميات، والمسبّب الواحد لتوالي التحركات الشعبية الفرنسية، منذ ما يقرب من عقد، بوتيرة متسارعة، رفضاً لسياسات الحكومات المتعاقبة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية: حكومات بألوان "اشتراكية" أو وسطية، تسطو رويداً رويداً على مكتسبات الفرنسيين الاجتماعية، وسلاحها في مرّات عدة، القانون 49.3 من الدستور الفرنسي، الذي يسمح لرئيس الحكومة بتمرير مشاريع قوانين غير متوافق عليها، حزبياً أو شعبياً أو نقابياً، دون العودة للبرلمان. حراكات شعبية متعددة، منذ حوالى عقد، لم تمنع حكومة مانويل فالس الاشتراكية، من تمرير قانون الخمري لإصلاح قواعد العمل في 2016، أو حكومة إليزابيث بورن من تمرير قانون إصلاح التقاعد في 2023، أو رفع أسعار المحروقات، أو غيرها من القوانين التي يرى فيها الفرنسيون، قضماً تدريجياً لمكتسبات دولة الرفاه. ويعتبر الفرنسيون أن دولتهم تعمل على دفعهم بالتقسيط إلى اعتياد فكرة التخلي عن فرنسا الغنية، ضمن سياسة ممنهجة، تراها الحكومات المتعاقبة واقعية، لكنها تؤسس لمرحلة صعبة من عدم اليقين الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، وهو ما قد يترك أثره على اقتصاد الاتحاد الأوروبي ككل. ويترقب الفرنسيون، ما سيكون عليه الأسبوع الثاني من سبتمبر، حيث موعد جلسة البرلمان الاستثنائية التي قد تفضي إلى حرمان حكومة بايرو الثقة، ثم ما ستؤول إليه دعوة حراك "لنُغلق كلّ شيء".
يبقى الحراك حتى اليوم بلا رأس، فيما كلّ منشوراته تميل إلى مطالبة عمودية بالمحاسبة، أي من رأس الهرم
ويتشابه حراك "لنغلق كلّ شيء"، في أوجه عدة، مع حركة "السترات الصفراء" التي برزت في 2018 أولاً على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي رفضاً لقرار الحكومة آنذاك رفع أسعار المحروقات، قبل أن تتوسّع مروحة انتقاداتها بوجه عهد ماكرون، رفضاً لسياساته، وكان في صلبها مشروعه المبكر لرفع سنّ التقاعد، والذي تبناه ماكرون وروّج له منذ اليوم الأول لولايته الأولى في 2017. وبخلاف حركة "الوقوف ليلاً" التي كان عمودها الفقري طلاب الجامعات، تتشابه "السترات الصفراء" مع "لنُغلق كلّ شيء" في أنهما برزتا على الإنترنت بلا رأس، ومن دون أي تبنٍّ حزبي. وحظيت "السترات الصفراء" بتأييد نقابي، وقد تركت أثرها على المجتمع الفرنسي، بعدما سلّطت الضوء على التصدعات الاقتصادية في البلاد، خصوصاً لجهة انزعاج الطبقات الفقيرة والمتوسطة من ارتفاع تكلفة المعيشة، وانحدار القدرة الشرائية.
ويبدو حراك "لنُغلق كلّ شيء" أكثر غموضاً، إذ يظلّ حتى الساعة، بلا رأس أو قيادة، فيما تشير منشوراته على "إكس" أو "تليغرام" أو غيرها من وسائل التواصل، كما "السترات الصفراء"، إلى مطالبة عمودية بالمحاسبة، أي من رأس الهرم، وسط انقسام يساري ونقابي بشأن التماهي مع دعوة الإغلاق وعرقلة العمل وحتى العصيان الشعبي، فيما أعلن اليمين المتطرف عدم المشاركة في أي تظاهرات في 10 سبتمبر. ورغم تباين مواقف الأحزاب المعارضة للحكومة، تأخذ جميعها بالاعتبار، المزاج الشعبي المائل لدعم حراك الشارع. وبينما تمسّ إصلاحات بايرو، تقريباً كلّ شيء، وصولاً إلى طلب حذف يومي عطلة رسمية من أجندة الفرنسيين، رأى استطلاع أخير للرأي أجرته مؤسسة تولونا هاريس إنتر – أكتيف، ونشرته إذاعة آر تي أل، يوم الجمعة في 22 أغسطس/آب الماضي، أن اثنين من كلّ ثلاثة فرنسيين (63%)، يؤيدون "لنغلق كلّ شي".
تميل أجندة الحراك لمسلك اليسار الراديكالي ونمط تفكيره في التعامل مع الأزمات الاجتماعية
وعلى "إكس"، وضع مديرو الحراك لائحةً من المطالب، تتضمن: إعادة استثمار هائلة بالخدمات العامة، وقف تقليص وظائف، الحفاظ على أيام العطل السنوية المعتمدة. أما ما يدعون إلى تبنيه في يوم التظاهر، فيصل إلى حدّ مقاطعة مؤسسات ضخمة مثل "أمازون" أو متاجر "أوشان" و"كارفور"، المتهمة بالاستفادة من تخفيضات التقديمات الاجتماعية ومواصلتها الضغط على الموظفين. ويدعو الحراك إلى سحب الأموال من المصارف الكبيرة "المتواطئة"، و"احتلال سلمي" للأماكن العامة، مثل البلديات، واعداً بـ"عودة" بعد انتهاء عطلة الصيف عنوانها "الغضب". وتميل الأجندة هذه إلى مسلك اليسار الراديكالي ونمط تفكيره في التعامل مع الأزمات الاجتماعية، إلا أن انطلاقة هذا الحراك، بدت يمينية محافظة. ويرفع هذا الحراك على صفحته على "إكس" شعار "مقاطعة، عصيان، وتضامن"، ومنذ يوليو/تموز الماضي، بدأ الدعوة إلى "شّل" فرنسا مستخدماً كلمة "العزل" (confiner) على غرار ما حصل خلال فترة كورونا.
ترويج على مواقع التواصل الاجتماعي
وفُتح حساب "bloquons tout" على "إكس" و"تيك توك" و"فيسبوك"، ليكتسب شعار "10 سبتمبر" انتشاراً ورواجاً. وبحسب وكالة فرانس برس وصحيفة لو باريزيان، فإن أول النداءات يعود إلى مايو/أيار الماضي، لكنه لم يحظَ باهتمام، قبل أن تتوضّح معالم خطط بايرو، ومن بينها المسّ بتقديمات التقاعد أو تجميدها دون ملاحظة ارتفاع نسب التضخم، وكذلك اقتطاع حوالى خمسة مليارات يورو من التقديمات الصحية. وبحسب موقع بوبليك سينا (public senat)، في 25 أغسطس الماضي، فإن المبادرة انطلقت من قناة على "تليغرام" قبل أن يعيد تداولها حساب "الأساسيون" les essentiels، القريب من اليمين المتطرف ومن بعض وجوه "السترات الصفراء". وفي 24 يوليو، أُطلِقَت الدعوة إلى "عصيان مدني": لا مدارس، لا عمل، لا تسوق، "فقط الصمت لشعب يريد استعادة سلطته"، قبل أن ينتشر "أمر اليوم": "لنُغلق كلّ شيء". وعلى موقعه الإلكتروني، يشرح القيّمون على الحراك، أنه لا يوجد له موقع رسمي، وأن الحراك "غير مركزي"، معيداً نشر هاشتاغ 10 سبتمبر، وروابط على "إكس" وحسابات أخرى للتواصل الاجتماعي وحسابات معارضة على إنترنت للحكومة.
ويتبنى حراك "لنُغلق كلّ شيء" مبدأ العمل كمنظمة تعاونية، إذ يتحدث عن إنشاء صناديق للإضراب، وتجمعات عمل في الأحياء، ودعم المُضربين عن العمل، واصفاً نفسه بأنه خارج الاصطفافات الحزبية. لكن بحسب صحيفة لا ديبيش، فإنه "لا أحد يستطيع اليوم فهم الكيفية التي سينتقل فيها هذا الحراك من الفضاء الافتراضي إلى الشارع، رغم أنه تمكن حتى اليوم من دفع الأحزاب إلى التموقع والتفكير واتخاذ موقف". علماً أن إدارة الحراك ردّت على دعوة بايرو إلى عقد جلسة ثقة برلمانية، باعتبار أن ذلك ليس نهاية المطاف، إذ بينما "ستنهار الحكومة في 8 سبتمبر، سيتوقف البلد في 10 سبتمبر"، دافعة إلى تحقيق هدف عزل الرئيس الفرنسي، وهو مطلب ينادي به اليسار الراديكالي بقيادة جان لوك ميلانشون.