استمع إلى الملخص
- تواجه النخبة الروسية تحديات داخلية مع تصاعد المخاوف من تأثير المحاربين القدامى على الاستقرار، وتنافس النخب القديمة والجديدة على النفوذ، مع تزايد تأثير القوميين المتطرفين.
- شهدت النخبة الروسية تغييرات كبيرة مع صعود المتشددين الداعمين لبوتين، وتوسع نفوذهم عبر الاستيلاء على أصول الشركات الأجنبية، وسط تحديات دمج المحاربين القدامى في الحياة المدنية.
يواظب المسؤولون الروس في تصريحاتهم على تأكيد انفتاح روسيا على المفاوضات لإنهاء حرب أوكرانيا مع تشديدهم على أن موسكو مصرة على تحقيق أهداف الحرب كاملة عن طريق الحرب أو وفق اتفاق. وفيما تتركز المفاوضات الحالية بين أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين على إحداث تغييرات في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب
لإنهاء الحرب وفق شروط أفضل لأوكرانيا ومستقبلها بما هي دولة، يبرز سؤال منطقي حول استعداد روسيا ذاتها لإنهاء الحرب، وفق خطة وصفت بانحيازها لصالح روسيا وتهميش الأوروبيين، ومنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معظم مطالبه، وإصرار الروس على عدم التنازل عن شروطهم القصوى. وأشارت تصريحات المسؤولين الروس إلى وجود نقاط إيجابية في الخطة ونقاط خلافية تحتاج إلى تعديلات. ووفق هذا الرد، تجنّبت روسيا إعلان الرفض المطلق لجهود ترامب لإنهاء الحرب، وأعادت الكرة مرة أخرى إلى ملعب أوكرانيا والأوروبيين "المحرضين" على استمرار الحرب. وقدمت الخطة إجمالاً عروضاً للكرملين لا يمكن رفضها، فقياساً إلى تقدم روسيا السابق في شرق أوكرانيا منذ بداية الحرب في 24 فبراير/شباط 2022، فإن احتلال كامل مقاطعة دونيتسك، يحتاج حسب تقدير معظم الخبراء إلى عام كامل على الأقل، ومقتل عشرات الآف المقاتلين وجرحهم.خطة ترامب ملائمة لروسيا
وكشفت الخطة وما تلاها من تعليقات للمسؤويين الأميركيين، أن الكرملين سيحصل على ما سعى إليه منذ سنوات طويلة من دون الاضطرار إلى استمرار القتال. وترفض الخطة ضم أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي (ناتو). وتتضمن رفع العقوبات الغربية، وعودة روسيا إلى مجموعة الثماني الكبار، وإطلاق مشروعات استثمارية روسية أميركية، والأهم الاعتراف بسيطرة روسيا الكاملة على شبه جزيرة القرم ومقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، ومناطق في زابوريجيا وخيرسون وفق خطوط القتال الحالية. كما أن حل القضايا الأمنية في أوكرانيا وأوروبا بالربط مع قضية التوازن الاستراتيجي العالمي عبر التوافق بين موسكو وواشنطن ثنائياً، يعني عملياً صيغة محدثة من مؤتمر يالطا (في شبه جزيرة القرم)، الذي جمع الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، في فبراير 1945، لمناقشة مرحلة ما بعد هزيمة ألمانيا النازية. الصيغة المحدثة، تستثني الأوروبيين وتقتصر على بوتين وترامب، وبالتالي تعني عودة روسيا قوة عالمية لها مناطق نفوذ محددة من ضمنها أوروبا، في تقاسم جديد للعالم مع الولايات المتحدة.
الكرملين سيحصل على ما سعى إليه من دون الاضطرار إلى استمرار القتال
ضمن هذه المغريات والتنازلات يبدو غريباً رفض روسيا لخطة ترامب. وربما جاء الرد الروسي بالموافقة على بعض البنود، والانفتاح على مناقشة أخرى، في إطار تكتيك لتحقيق مكاسب إضافية، خصوصاً أن المفاوضات تتواصل مع استمرار القتال على الجبهات بتقدم روسيا، وتدمير منهجي للبنى التحتية للطاقة في أوكرانيا. ومن غير المستبعد أن الإصرار الروسي على تحقيق شروط الحرب كاملة يعني تأخير وقف إطلاق النار، ضمن رهانات روسية على انهيار أوكرانيا الوشيك عسكرياً واقتصادياً، وتوقف الدعم الأوروبي لكييف لطول الحرب، مع صعود اليمين المتطرف، وتراجع الاقتصاد، وعدم وحدة الاتحاد في سياساته نحو أوكرانيا، ومخاوف الأوروبيين من القطيعة مع واشنطن.
في المقابل، إن هناك مؤشرات إلى أن وقف الحرب قد لا يصب في مصلحة جزء من النخبة الروسية، التي اضطرت إلى التضحية بعلاقاتها مع الغرب، وحرمت من رحلاتها وبيوتها الفاخرة في المنتجعات الأوروبية الشتوية والصيفية. وقد تحمل نهاية الحرب أخباراً سيئة لآخرين حان موعد تركهم السياسة لتقدمهم بالعمر، أو للفشل في تنفيذ المهمات، أو التورط في قضايا فساد، ولكن ظروف الحرب أجبرت بوتين على الاحتفاظ بهم، حتى لا يعطي إشارات إلى أي انقسام في داخل النخبة. وبعيداً عن صراعات النخبة السياسية الحاكمة ومخاوفها، فإن الأسباب الاقتصادية تتصدر مخاوف وقف الحرب، إذ تقتضي العودة إلى نموذج الاقتصاد المدني، وتوفير أماكن عمل لقدامى المحاربين.
مطالب ألكسندر دوغين
وعلى الرغم من أن انتهاء الحرب وفق الخطة الأميركية يعد انتصاراً لروسيا، فإن قسماً واسعاً من القوميين المتطرفين ممن زاد نفوذهم أثناء الحرب بسبب الضخ الإعلامي وعلو صوت الحرب، يدعو إلى استمرار الحرب حتى احتلال المناطق الشرقية والجنوبية من أوكرانيا وتقسيم الباقي بين جيرانها. وفي مقال بعنوان "أي تسوية ستعد هزيمة لروسيا"، نشرها في موقع "إيزبورسك" في شهر مايو/ أيار الماضي على خلفية انخراط ترامب في تسوية الحرب بقوة، قال الفيلسوف ألكسندر دوغين
المعروف بمواقفه القومية الدينية، وتأثيره في سياسات الكرملين: "لا يمكننا التنازل عن أي من مواقفنا المبدئية. بل إن الحد الأدنى من الشروط لبدء مفاوضات بالنسبة لروسيا لن يتحقق إلا بعد تحرير خاركيف وأوديسا ونيكولايف وكييف، وإن حققنا مكاسب إضافية، فحينها فقط يمكن الحديث عن صفقة".
دوغين: هذا المجتمع كان من المفترض أن يتغير بقوة النصر السحرية
ورداً على المقترحات الأميركية حينها، أضاف دوغين: "أما الآن، فلم تتوفر الشروط (حسب المقترحات المعروضة لعقد الصفقة). وأي تسوية مثل ترسيم الحدود على طول خط الحدود البري مع أوكرانيا، ستكون كارثة لروسيا، وهزيمة بكل ما للكلمة من معنى. ولا يمكن الترويج لمثل هذه الهزيمة على أنها نصر". وحينها حذر دوغين من وقف الحرب من دون تحقيق كامل الأهداف، لأنه سيؤدي إلى "نتائج كارثية تماماً، الكل سيسترخي والمقاتلون، بعد صدمة الحرب غير المنتهية، سيعودون إلى مجتمع لن يرضيهم أبداً، لأن هذا المجتمع كان من المفترض أن يتغير بقوة النصر السحرية، بفعل التعبئة، والتحول الروحي، بما في ذلك الأيديولوجيا، واليقظة، والعدالة، والفكرة، والإحساس بالقوة والثقة بأن كل ما حدث لم يكن عبثاً".
ومن غير المستبعد أن الحركات القومية الروسية ستذهب بعيداً بالدعوة إلى التشدد أكثر مع المتهمين بمحاولة إعادة الجسور مع الغرب، وربما تتسبب بصداع كبير لسيد الكرملين الذي مزج في سياساته بين شعارات عودة الإمبراطورية الروسية، والحنين إلى الماضي السوفييتي، ورفع لواء القيم المسيحية المحافظة في العالم. وبدا أن الكرملين تنبه إلى هذه المخاطر باكراً، ففي صيف 2023 أُلقي القبض على إيغور ستريلكوف (غيركين)، الضابط العسكري المتقاعد، الضابط السابق في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، ووزير "دفاع جمهورية دونيتسك الشعبية" الأوكرانية الانفصالية السابق، ومؤسس "نادي الوطنيين الغاضبين"، ووجّهت له التهم بإطلاق دعوات متطرفة علنية عبر الإنترنت. ومن سجنه الاحتياطي واصل غيركين الدعوة إلى استمرار الحرب حتى النصر وقطع العلاقات مع الغرب.
في خطابه عن حالة الأمة في مارس/ آذار 2024، أعلن بوتين أن كلمة "النخبة" فقدت الكثير من مصداقيتها. وقال: "أولئك الذين لم يقدموا شيئاً للمجتمع ويعتبرون أنفسهم طبقة ذات حقوق وامتيازات خاصة... ليسوا النخبة بالتأكيد". وأضاف: "النخبة الحقيقية الأصيلة هي أولئك الذين يخدمون روسيا، العمال والمحاربون، أشخاص موثوق بهم وجديرون بالثقة، أثبتوا ولاءهم لروسيا بالأفعال". ومن المؤكد أن هذه الكلمات أثارت قلقاً في أوساط النخبة الروسية، حيث يتنافس كبار المسؤولين ورجال الأعمال والعسكريين على البقاء في مناصبهم منذ نحو أربع سنوات من الحرب. ومع تركيز بوتين الشديد على كسب الحرب ضد أوكرانيا، فإن أي شخص يعوق هذا الهدف معرض لخطر الاستبعاد. وفي المقابل، يزداد طموح المشاركين في الحرب والمتشددين الوطنيين المتطرفين في حجز مكان قرب قمة الهرم. ومن الأمثلة الواضحة ترشح أكثر من 870 مشاركاً في الحرب في الانتخابات البلدية في سبتمبر/ أيلول الماضي، والإقبال الكبير من قدامى المحاربين على برامج أعدها سيرغي كيريينكو، نائب رئيس ديوان الكرملين لتجديد النخب الإقليمية والمركزية مثل "زمن الأبطال"، و"مدرسة حكام المقاطعات"، و"مدرسة عمداء المدن".
صدمة أولية مع بدء حرب أوكرانيا
والأرجح أن قرار بوتين شن حرب على أوكرانيا، شكل صدمة لصف واسع من النخبة الروسية، ومما يدل على ذلك ارتباك بعض المسؤولين في الاجتماع الموسع الذي سبق الإعلان عن الحرب والاعتراف باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين في فبراير 2022. وفي نهاية مارس/ آذار 2022 بدا أن النخب التي عارضت الحرب بدأت تتكاتف حول بوتين، على خلفية إدراك بأن الحرب ستشكل نقطة تحول رئيسية وفصلاً جديداً تماماً في التاريخ الروسي. ولم تبرز انشقاقات مؤثرة على المسار العام. وفي حين عبر بعض المثقفين والإعلاميين والفنانين عن معارضتهم ورحلوا، فإن خيارات السياسيين تراوحت بين التراجع إلى الصف الثاني والصمت بانتظار فرصة لترك المركب كما حدث مع أناتولي تشوبايس، السياسي الروسي المعروف الذي كان له دور كبير في صعود بوتين للحكم وشغل مناصب مهمة، وفيما قرر تشوبايس الهجرة إلى إسرائيل، فإن دميتري كوزاك صديق بوتين منذ عقود، ونائب رئيس ديوان الكرملين اكتفى بالصمت والخروج بهدوء، رغم تقارير تشير إلى أنه كان من القلائل الذين عارضوا الحرب وصرح بذلك في وجه بوتين.
لكن آخرين مالوا إلى التشدد أكثر، ومن أكثر التغييرات الحاصلة، التي تشير إلى التغييرات في نظرة النخبة، تحول الرئيس السابق دميتري ميدفيديف من وجه روسيا الليبرالي والديمقراطي إلى أحد صقور النظام. وخشية التهميش صعد تيار من المتشددين والصقور الذين يوافقون بوتين على كل طروحاته ويعيدون صياغتها بأشكال، يطرب لسماعها سيد الكرملين الساعي إلى تسجيل اسمه إلى جوار ملهمه ومؤسس مسقط رأسه سان بطرسبرغ بطرس الأكبر، ويكاتيرينا الثانية التي انتصرت على العثمانيين وأسست أهم مدن ما يعرف عن القوميين الروس "نوفوروسيا"، في إشارة إلى مناطق جنوب أوكرانيا وشرقها.
غالبية رجال الأعمال والسياسيين المقربين من الكرملين قرروا العمل لصالحه
ورغم أن العقوبات الغربية هدفت إلى انفضاض حيتان المال والسياسيين الذين ينطلقون من أن مستقبل روسيا مع الغرب، عن بوتين، فإن الأثر كان عكسياً. ومن الواضح أن غالبية رجال الأعمال والسياسيين المقربين من الكرملين قرروا العمل لصالح النظام، أو معه، ومولت "روسنفت" و"غازبروم" والشركات الكبرى المسيطر عليها من قبل أصدقاء بوتين، إنشاء مجموعات مرتزقة للقتال في أوكرانيا من أجل المحافظة على النفوذ، نظراً لأنه لا يمكن تحقيق قدر كبير من الأموال في أي مكان آخر في الحالة العادية، ومع العقوبات فالفرص أقل. كما وسع العديد من حيتان المال مكاسبهم عبر الاستيلاء على أصول الشركات الأجنبية المنسحبة مقابل مبالغ بخسة، واحتكار بعض أنواع الصناعات الداخلية، أو استيراد مواد محددة، وتعيين أولادهم وأقاربهم في مراكز حساسة في قطاعات الدولة.
ومن أبرز الأمثلة هيمنة فلاديمير، ابن كيريينكو، على قطاع الإنترنت، ورغم إخفاق الأجهزة الخاصة في توقع ردة الفعل الأوكرانية والغربية، فإن نفوذها توسع مع الحملات على الفساد، التي أنهت عملياً كل الفريق الذي شكله وزير الدفاع السابق سيرغي شويغو. وطاولت الحملة عدداً من حكام المقاطعات السابقين ونوابهم. ورغم محافظة شويغو، نوعاً ما، على قربه من بوتين، فإن نفوذه تراجع رغم تعيينه في منصب أمين مجلس الأمن الروسي. ومن غير المستبعد أن تنتهي مرحلة التطهير في وزارة الدفاع بإبعاد شويغو ذاته بعد انتهاء الحرب، لأن بوتين عادة لا يعاقب الأشخاص المقربين فوراً، وينتهز فرصة لإخراجهم من دون ربط الإقالة أو الإحالة إلى التقاعد مع قضية محددة.
ويشيد بوتين بالأشخاص الذين يدعمون الحرب علناً، ويطلق على المشاركين في الحرب اسم "النخبة الجديدة". في المقابل، يعلم بوتين أن معظم أبناء النخبة التي أسسها في سنوات حكمه لم يذهبوا إلى القتال، وربما يكون هذا السبب أساسياً في عدم رضاه عن النخبة القديمة، والحديث عن نخب جديدة. لكن بوتين نفسه يدرك أن النخبة القديمة قوية جداً، ولا يمكنه التخلص منها بسهولة، ويحتاج إلى نصر كامل يسمح له بإعادة رسم مراكز القوة بشكل جديد. ومن المؤكد أن النخب القديمة لا ترحّب كثيراً بمن يعتبرون الآن "النخب الجديدة". بيد أن التوجه السياسي الحالي، على الأقل، هو إجبار النخب القديمة على احتضان القادمين من الجيش وتجنيدهم في النظام السياسي، ولكن نتيجة الحرب ستفرض تغييرات في هذه العلاقة.
تكّيف الموالين لبوتين
وتكيف كثير من المحيطين ببوتين مع واقع الحرب المتواصلة منذ نحو أربع سنين، ويصعب عليهم التكهن بماهية القواعد الجديدة. ومع تأقلمهم مع وضع أكثر فوضوية وتقلباً حالياً، فإن المحيطين ببوتين لا يعرفون كيف سيكون اليوم التالي لانتهاء الحرب، وهم يخشون أن تجلب المزيد من الفوضى، واحتمال أن يكونوا "كبش فداء" جديدا في حال اضطرار بوتين إلى تقديم تنازلات للقوميين المتشددين الذين دعموا الحرب وقاتلوا بعد عودة مئات الآلاف منهم من الحرب. ومن المؤكد أن تجربة تمرد زعيم "فاغنر" يفغيني بريغوجين ستبقى ضمن حسابات رد المجتمع الروسي على نهاية الحرب. ومن المخاطر المتوقعة، إمكانية اندماج المحاربين القدامى في قوة سياسية قد تتحدى النظام الحالي، وتجنبا لهذا السيناريو، وضع بوتين برنامجاً لدمج المحاربين القدامى العائدين في النخبة السياسية، سواء من خلال التعيينات في مناصب حكومية أو من خلال انتخابات الهيئات التشريعية على المستوى المحلي والإقليمي، وربما الاتحادي. ورغم الترويج الإعلامي الكبير لهذا البرنامج فإنه لم يحقق نتائج كبيرة حتى الآن.
يخشى مسؤولون من أن يستغل الكرملين عودة المحاربين القدامى لشن حملة تطهير ضدهم
ويخشى العديد من المسؤولين الحاليين أن يستغل الكرملين عودة المحاربين القدامى لشن حملة تطهير ضدهم، رغم أن الكثير من المحاربين يفتقر العديد منهم إلى المهارات السياسية اللازمة أو حتى إلى الاهتمام بالوظائف الحكومية، نظراً لتطلعاتهم إلى مكافآت أكبر. ورغم هذه العقبات، من غير المرجح أن يغير بوتين مساره، نظراً لذكرياته عن سوابق من التاريخ الروسي، حيث أثبت المحاربون القدامى العائدون في كثير من الأحيان، كما في حالة الديسمبريين عام 1825 أنهم يشكلون تهديداً أكبر للنخبة السياسية القائمة منه للمجتمع الروسي ككل. وثورة الديسمبريين، هي انتفاضة ضباط في 14 ديسمبر 1825 اعتراضاً على خلافة نيكولا الثاني العرش القيصري الروسي، بعد وفاة القيصر ألكسندر الأول، وانتهت الانتفاضة بمقتل المنتفضين وسجنهم ونفيهم.
وفي السنتين الماضيتين، أدخل بوتين عدداً من مساعديه إلى هياكل السلطة الفيدرالية، وعينهم في مناصب هامة في الإدارة الرئاسية أو في الوزارات أو المؤسسات المقربة منه. وهم مجموعة من الضباط، معظمهم من هيئة الأمن الفيدرالي والقوات المسلحة، وعمل بعضهم مساعدين شخصيين للرئيس وفي فريق حمايته. ومن بينهم أليكسي ديومين، وألكسندر كورينكوف، ودميتري ميرونوف، وفاليري بيكاليوف، ويفغيني زينيتشيف. وأعطيت الأولوية للموظفين من الجيل الشاب الذين أظهروا ولاءً ومهارات إدارية وقدرة تنظيمية خلال الحرب. ومن بين هؤلاء أرتيم جوغا، الممثل الرئاسي في منطقة الأورال الفيدرالية، ويفغيني بيرفيشوف، حاكم منطقة تامبوف، فضلاً عن خمسة رؤساء أقاليم شغلوا مناصب سابقة في الأراضي المحتلة.
النخبة الروسية قلقة
ويسود قلق في النخب الأكاديمية الروسية من العودة المستقبلية لقدامى المحاربين في هذا الصراع. وحذرت دراسة أكاديمية صادرة في سبتمبر/ أيلول الماضي من أن التدفق المتزايد لقدامى المحاربين إلى المؤسسات الحكومية على مختلف مستوياتها سيوسّع دائرة الائتلاف المؤيد للمواجهة مع أوكرانيا والغرب. وحسب الدراسة المنشورة في موقع European Journal of International Security، فإن "المواقف الأكثر تشدداً داخل النخبة الروسية تصدر، كما هو متوقع، عن ذوي الخلفيات الأمنية. وإذا همّش التكنوقراط الذين يديرون الاقتصاد الحربي قدامى المحاربين، فقد يتحولون إلى المعارض الرئيسي لأي توجه مستقبلي نحو تليين السياسة الخارجية، حتى إذا بدأ الكرملين نفسه يشعر بوطأة استنزاف الموارد".
وفي حال انتهاء الحرب، يواجه الكرملين معضلة في مواجهة المشكلات النفسية والاجتماعية، وإعادة دمج المقاتلين في الحياة المدنية. وبعد وقف إطلاق النار من المتوقع عودة أعداد هائلة من المحاربين إلى أماكن سكنهم. ومن المتوقع أن يعاني العديد من هؤلاء المحاربين القدامى من اضطراب ما بعد الصدمة وقد تظهر عليهم أيضًا ميول عنيفة. وتتراوح المشكلات المتوقعة بين زيادة تعاطي المخدرات والكحول، وبخاصة في حال عدم وجود مراكز رعاية في الأرياف والمدن الصغرى. ومن الصعب استيعاب جميع العائدين من الجبهة في سوق العمل، والأرجح أن كثيرين ممن اعتادوا على الرواتب المرتفعة في الجيش لا يفضلون العودة إلى رواتبهم السابقة، التي يمكن ألا تتجاوز 10% من دخلهم أثناء الحرب، وهذا يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع معدلات الجريمة بين أشخاص امتهنوا القتال لسنوات، كما يؤدي إلى ارتفاع البطالة وما يرافقها من مشكلات اقتصادية. ومن المتوقع أن زيادة العنف المنزلي، قد تؤدي إلى موجة من الجريمة وزعزعة استقرار المجتمع. وحتى الآن تقول السلطات إن 140 ألف مقاتل عادوا إلى الحياة المدنية. وحسب تصريحات بوتين في سبتمبر/ أيلول الماضي فإن أكثر من 700 ألف روسي حاربوا حينها في أوكرانيا.
ظهرت مقالات متفرقة تشير إلى الجنود العائدين من أوكرانيا على أنهم "الأفغان الجدد"
وذكر تقرير نشرته صحيفة " فيورستكا" المعارضة، الثلاثاء الماضي، أن ما لا يقل عن 551 شخصاً لقوا حتفهم في حوادث تورط فيها أو شملت قدامى المحاربين في ما يسمى "العملية العسكرية الخاصة" (الاسم الروسي لغزو أوكرانيا). ومن بين هؤلاء، قُتل 274 شخصاً، وتوفي 163 شخصاً بعد تعرضهم لأذى جسدي شديد، وقُتل 78 شخصاً في حوادث طرق، وتوفي 36 آخرون في قضايا جنائية أخرى، بما في ذلك الجرائم المتعلقة بالمخدرات. ونقلاً عن وثائق المحاكمات كشفت "فيورستكا" أن أكثر من نصف هؤلاء القتلى، 163 شخصاً، لقوا حتفهم على أيدي سجناء سابقين قاتلوا في أوكرانيا. ولم تستبعد الصحيفة أن يكون عدد الجرائم بمشاركة المحاربين القدامى أعلى بكثير، وقالت إن بعض المحاكم تعيد تنقيح المواد المنشورة وتشطب منها ما يتعلق بالمشاركة في الحرب.
مخاوف داخلية من العائدين من أوكرانيا
ويبدو أن السلطات الروسية تدرك حجم التحديات التي ستشكلها عودة الجنود، فقد عيّن بوتين ابنة عمه، آنا تسيفيليوفا، مسؤولة عن دعم الجنود السابقين، وعيّنها نائبة لوزير الدفاع ورئيسة لمؤسسة المدافعين عن الوطن التي تمولها الدولة. ومن المخاوف أن ينتهي الأمر بقدامى المحاربين في الحرب في أوكرانيا كما حصل مع قدامى المحاربين في الحرب الأفغانية (1979 ـ 1989)، حين أسسوا عصابات في التسعينيات، ونشروا الفوضى في البلاد. التحدي الآخر الذي ستواجهه الحكومة هو ببساطة الاعتراف بالمشاكل التي تطرحها عودة المحاربين القدامى، فالاعتراف بوجود مثل هذه المشكلة يمكن أن يقوض صورة "أبطال الحرب" التي روجت لها الدعاية الحكومية. وعملياً ظهرت مقالات متفرقة تشير إلى الجنود العائدين من أوكرانيا على أنهم "الأفغان الجدد"، في إشارة إلى المقاتلين الروس السابقين في أفغانستان، فقسم كبير ممن خدموا في أفغانستان عادوا بمشكلات نفسية، وقسم آخر انخرط في عالم الجريمة. وتزداد الخشية من أنه بمرور الوقت، قد يصاب الجنود السابقون بخيبة أمل في الحياة المدنية ويشكلون مجموعات إجرامية خاصة بهم. ورغم استخدام كثير من مرتزقة فاغنر، ومئات آلاف المساجين الذين تم العفو عنهم مقابل القتال في الصفوف الأولى للحرب، ضمن ما اصطلح على تسميته "مفرمة اللحم"، فإن جزءاً منهم سينجو في النهاية، وسيعاني هؤلاء أكثر من غيرهم، وربما يشكلون العمود الفقري لحركة "أفغان جدد".