قرية تل... عاصمة التين الفلسطيني تواجه الاستيطان

05 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
أمام منزل أضرم فيه مستوطنون النار في قرية تل، 25 يوليو 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- قرية تل: عاصمة التين الفلسطيني
تقع جنوب غرب نابلس وتشتهر بإنتاج التين، ويعتمد سكانها على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق. تاريخيًا، ارتبطت بالمقاومة الفلسطينية وقدمت العديد من الشهداء والأسرى.

- التحديات الاستيطانية والاعتداءات المتكررة
تواجه القرية تهديدات من التوسع الاستيطاني الذي يهدد أراضيها الزراعية، مع اعتداءات متكررة من المستوطنين وتجريف الأراضي.

- مهرجان التين: رمز للصمود والهوية
يُعد مهرجان التين السنوي منصة لتسويق المنتجات الزراعية ودعم المزارعين، ويعكس صمودهم في مواجهة التحديات الاستيطانية.

تحتفظ قرية تِل جنوب غرب نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة، بقصة مكان ارتبط اسمه بشجرة التين التي منحتها لقب عاصمة التين الفلسطيني، وبأراضٍ وبساتين شكّلت مصدر رزق وهوية لأهلها عبر الأجيال، لكنها تقف اليوم في مواجهة عدوان الاحتلال والمستوطنين، لتتصدر قائمة القرى المستهدفة بالاقتحامات، والتمدد الاستيطاني. وعلى بعد نحو سبعة كيلومترات من مركز مدينة نابلس، تشكل قرية تِل واحدة من أكبر القرى الفلسطينية في المحافظة من حيث المساحة الزراعية وعدد السكان الذين يبلغ عددهم حوالي سبعة آلاف نسمة. وعلى الرغم من شهرتها التاريخية بإنتاج أجود أنواع التين في فلسطين، فإن اسمها ارتبط خلال العقود الأخيرة أيضاً بالمقاومة الفلسطينية، وبصمود أهلها في مواجهة التوسع الاستيطاني الذي يلتهم أراضيها عاماً بعد آخر. 

عادت القرية إلى واجهة الأحداث في الضفة الغربية، يوم 24 يوليو/تموز الماضي، بعد المجزرة التي استشهد فيها أربعة من أبنائها برصاص جنود الاحتلال والمستوطنين. أعقب ذلك إعلان سلطات الاحتلال إقامة أربع بؤر استيطانية إضافية، في خطوة اعتبرها الأهالي استكمالاً لسياسة قائمة تستهدف خنق القرية وعزلها عن محيطها، لا مجرد ردة فعل على حدث أمني عابر.

تاريخ فوق قمة تلة

حكاية قرية تِل لا تبدأ من هذه المجزرة، بل تمتد إلى عقود طويلة، حين نشأت القرية فوق تلة مرتفعة منحتها اسمها. وأصبحت لاحقاً واحدة من أهم القرى الزراعية في شمال الضفة الغربية، وترفد مدينة نابلس حتى الآن بالمنتجات الزراعية والحيوانية. ويرتبط اسم "تل" بطبيعتها الجغرافية، إذ أقيمت على مرتفع يشرف على السهول والوديان المحيطة، وهو ما منحها موقعاً استراتيجياً منذ العصور القديمة. وتحيط بقرية تل قرى: عراق بورين ومادما وصرة وجيت وفرعتا، فيما ترتبط بمدينة نابلس بطريق رئيسي جعلها تاريخياً محطة عبور بين الريف والمدينة.

فراس الصيفي: المهرجان السنوي يهدف إلى تثبيت هوية قرية تل باعتبارها واحدة من أهم مناطق إنتاج التين في فلسطين 

 

يعتمد معظم سكان القرية على الزراعة، إلى جانب الوظائف الحكومية والعمل في القطاع الخاص، بينما تشكل الأراضي الزراعية العمود الفقري للاقتصاد المحلي. وتتميز القرية بوفرة الأراضي الخصبة المقدرة بحوالي ثمانية آلاف دونم من أصل نحو 14 ألف دونم من مساحة القرية، والتي تنتشر فيها، إلى جانب أشجار التين، أشجار الزيتون واللوزيات والعنب.

قرية تل عاصمة التين الفلسطيني

يصعب الحديث عن قرية تل من دون الحديث عن التين، فالأهالي يصفون الشجرة بأنها "ذاكرة القرية"، إذ تتوارث العائلات زراعتها جيلاً بعد آخر، وتنتشر بساتينها على مساحات واسعة من أراضي القرية الغربية والجنوبية. وتعد قرية تل من أكبر مناطق إنتاج التين في فلسطين، إذ تنتج في موسم الذروة نحو 15 طناً من التين، وتمتاز بتنوع أصنافها وجودتها العالية التي يمنحها المناخ المعتدل وخصوبة التربة. ومن أشهر أصناف التين التي تنتجها القرية: التين الأبيض والعسالي والحماضي والأسود والسلطاني والزريقي، إضافة إلى أصناف محلية نادرة يحرص المزارعون على الحفاظ عليها منذ عشرات السنين. ولا يقتصر حضور التين على الجانب الزراعي، بل يمثل مورداً اقتصادياً رئيسياً لعشرات العائلات، إذ يجرى تسويق الإنتاج في الأسواق الفلسطينية، كما يستخدم جزء كبير منه في صناعة التين المجفف والمربيات والدبس والحلويات التقليدية.

موسم مهرجان التين

تحوّل مهرجان التين السنوي في قرية تل، خلال الأعوام الأخيرة، إلى واحدة من أبرز الفعاليات الزراعية في الضفة الغربية، إذ يستقطب المهرجان، وفق الناشط والإعلامي الفلسطيني فراس الصيفي، آلاف الزوار من مختلف المحافظات الفلسطينية. 

ويضيف الصيفي لـ"العربي الجديد" أن المهرجان السنوي يشكل منصة لتسويق المنتجات الزراعية والحرفية، ودعم المزارعين، وتعريف الجمهور بأهمية التين الفلسطيني وأصنافه، كما يساهم في تنشيط الحركة التجارية داخل قرية تل، حيث تتحول شوارع القرية إلى سوق مفتوح للمنتج المحلي. وبحسب الصيفي، فإن الهدف لا يقتصر على التسويق الزراعي، بل يتعداه إلى تثبيت هوية قرية تل باعتبارها واحدة من أهم مناطق إنتاج التين في فلسطين، وتعزيز صمود المزارعين في أراضيهم المهددة بالمصادرة من قبل سلطات الاحتلال. 

ويبدأ موسم جني التين في قرية تل في شهر يوليو من كل عام، لكن ذروته في شهر أغسطس/آب حتى أواسط سبتمبر/أيلول. لكن الموسم هذا العام، بات يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة التوسع الاستيطاني الذي يلتهم أهم الأراضي المزروعة بالتين والزيتون، إلى جانب ما ألقاه هجوم عشرات المستوطنين المحميين من قبل قوات الجيش الإسرائيلي، في 24 يوليو الماضي، من تداعيات قلبت المشهد بالكامل. أُلغيت فعاليات المهرجان وتحوّلت البساتين إلى مناطق محاصرة، وسط انتشار الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، وتجريف مساحات من الأراضي الزراعية (التقديرات الأولية تشير إلى تجريف نحو ألفي دونم). 

تاريخ من المقاومة

عُرفت تل، شأنها شأن كثير من قرى نابلس، بتاريخ طويل من المقاومة الفلسطينية. ويقول الأسير المحرر محمد رمضان، لـ"العربي الجديد"، إن القرية، ومنذ الانتفاضة الأولى (1987)، ثم خلال انتفاضة الأقصى (2000-2005)، قدّمت "عدداً كبيراً من الشهداء والأسرى والجرحى، فيما برز عدد من أبنائها في صفوف مختلف فصائل المقاومة".


 محمد رمضان: قرية تل كانت خلال الانتفاضة الثانية إحدى القرى التي خرج منها مقاومون شاركوا في عمليات نوعية ضد قوات الاحتلال

ويشير رمضان إلى أن قرية تل كانت خلال الانتفاضة الثانية إحدى القرى التي خرج منها مقاومون شاركوا في عمليات نوعية ضد قوات الاحتلال والمستوطنين. كما أسفر بعض تلك العمليات عن مقتل وإصابة عدد كبير من جنود جيش الاحتلال والمستوطنين. ويوضح أن ذلك جعل القرية هدفاً دائماً للاقتحامات العسكرية الإسرائيلية، وعمليات الاعتقال، والحصار. ووسط واقع مشابه لعشرات القرى والبلدات في الضفة الغربية، تعرضت منازل كثيرة في قرية تل للهدم أو المداهمة، فيما شهدت القرية مواجهات متكررة مع قوات الاحتلال، خصوصاً خلال الاجتياحات الواسعة التي طاولت محافظة نابلس. ويرى أهالي القرية أن هذا التاريخ جعل قرية تل تحت رقابة أمنية إسرائيلية دائمة، انعكست في تشديد الإجراءات العسكرية، وتكثيف النشاط الاستيطاني في محيطها.

ربع قرن من سياسة الاستيطان

منذ أكثر من ربع قرن، بدأت الضغوط الاستيطانية على قرية تل بالتوسع مع اندلاع انتفاضة الأقصى، حين أقيمت بؤرة "جلعاد" على مساحات واسعة من أراضيها الغربية. ومنذ ذلك الحين، فقدت القرية آلاف الدونمات، فيما أصبح وصول المزارعين إلى أراضيهم مشروطاً بالحصول على تنسيق مسبق من جيش الاحتلال، وغالباً ما يُرفض أو يُؤجل، ما أدى إلى إهمال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وتحولت تلك البؤرة الاستيطانية إلى مركز دائم لاعتداءات المستوطنين، الذين يهاجمون المزارعين خلال مواسم الزيتون والتين، ويمنعونهم من فلاحة أراضيهم، ويعتدون على الممتلكات والمواشي. وفي عام 2018، توسعت هذه البؤرة بإقامة امتداد جديد عرف باسم "حفات جلعاد"، رافقه شق طرق استيطانية وتجريف أراضٍ واقتلاع آلاف الأشجار، مقابل زراعة كروم خاصة بالمستوطنين. ومع مرور السنوات، تمددت البؤرة باتجاه منطقة كفرور الأثرية، لتقترب أكثر فأكثر من منازل الفلسطينيين، وتصبح نقطة انطلاق متكررة لهجمات المستوطنين.

حصار من الجهات الأربع

لم يقتصر التوسع الاستيطاني على الجهة الغربية من قرية تل، إذ يؤكد رئيس المجلس القروي لقرية تل وليد زيدان أن المستوطنين أقاموا، قبل أشهر، بؤرة إضافية في الجهة الشرقية، قرب منطقة "المربعة" الفاصلة بين تل وقريتي مادما وبورين، لتصبح تل محاصرة عملياً من جهتين. أما جنوباً، يضيف زيدان في حديث لـ"العربي الجديد"، فلا تزال النقطة العسكرية التي أقامها الاحتلال منذ عام 2001 فوق مدرسة تل الثانوية للبنين ومدرسة روحي الهندي الأساسية قائمة حتى اليوم، "في مشهد يختزل طبيعة الحياة اليومية داخل القرية، حيث يتلقى الطلبة تعليمهم تحت أنظار جنود الاحتلال".

وبعد أحداث 24 يوليو، اتخذ المشهد منحى يصفه زيدان بـ"الأكثر خطورة"، إذ "شرعت قوات الاحتلال في تجريف مساحات واسعة من الأراضي الغربية، واقتلعت آلاف أشجار الزيتون، قبل أن تبدأ بإنشاء بؤرة استيطانية جديدة في موقع لا يبعد سوى أمتار عن منازل السكان". ويرى الأهالي أن هذا التطور يعني عملياً إغلاق آخر متنفس جغرافي للقرية، وتحويلها إلى تجمع سكاني محاصر، بعدما فقدت معظم امتدادها الزراعي في الشرق والغرب.

الأرض عنوان الصراع

لا ينظر سكان قرية تل إلى ما يجري باعتباره مجرد توسع استيطاني، بل محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا في المنطقة. ويقول الناشط المجتمعي الفلسطيني فادي عصيدة، لـ"العربي الجديد"، إن "الاعتداءات لا تقتصر على مصادرة الأراضي، وإنما تشمل اقتلاع الأشجار وسرقة المواشي، ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي وإغلاق الطرق الزراعية ومهاجمة المزارعين خلال مواسم الحصاد".

فادي عصيدة: قرية تل سجلت خلال السنوات الأخيرة مئات الاعتداءات التي نفذها مستوطنون بحماية قوات الاحتلال

 

ويوضح عصيدة أن قرية تل سجلت خلال السنوات الأخيرة مئات الاعتداءات التي نفذها مستوطنون بحماية قوات الاحتلال، بينها الاعتداء على مزارعين أثناء قطاف الزيتون، وإحراق محاصيل وسرقة خيول ومواشٍ، إلى جانب منع أصحاب الأراضي من الوصول إلى حقولهم. رغم ذلك، يؤكد عصيدة أن المزارعين "يتمسكون بأرضهم، معتبرين أن كل موسم زراعي يمثل شكلاً من أشكال الصمود".

أكثر من قرية

"تل" ليست مجرد قرية فلسطينية أخرى على خريطة نابلس، بل قصة مكان يختصر جانباً كبيراً من الرواية الفلسطينية؛ أرض زراعية وموطن لعائلات ارتبطت بالأرض، وفي الوقت نفسه ساحة مفتوحة لمواجهة يومية مع الاحتلال والاستيطان. وفي الوقت الذي يواصل فيه المزارعون الاعتناء بأشجار التين والزيتون، رغم المخاطر، يواصل المستوطنون توسيع بؤرهم على حساب تلك الأراضي، في صراع يبدو عنوانه الدائم: "من يبقى متجذراً في الأرض". ولهذا، فإن تل نموذج فلسطيني يجسد التداخل بين الزراعة والهوية، وبين التشبث بالأرض ومقاومة محاولات اقتلاع الإنسان من جذوره.