استمع إلى الملخص
- الاتهامات الفرنسية تتعلق بقضية اختطاف ناشط جزائري، حيث تستخدم باريس هذه القضية كوسيلة للابتزاز السياسي والقضائي ضد الجزائر، مستغلةً تاريخاً من السرديات السياسية والإعلامية ضد الجزائر.
- فرنسا تواجه صعوبة في التكيف مع التوازنات الجديدة التي فرضتها الجزائر، والتي نجحت في تقليص النفوذ الفرنسي وبناء شراكات جديدة بعيداً عن باريس، مما يفسر السلوك الفرنسي القلق والمتوتر.
لا تتغير فرنسا ولو أرادت، في علاقتها بالجزائر، السياسات والمواقف والوقائع هي التي تقول ذلك، ولعل كل المراحل التي مرت بها هذه العلاقات، كانت بين مد وجزر إلى المستوى الذي يمكن تفهمه بحكم السياقات والعوامل التي تحكم هذه العلاقات المثقلة بإرثها التاريخي المؤلم، لكن إعلان باريس عن فتح تحقيق ضد الجزائر في ما تصفه بممارسة "إرهاب دولة"، بحسب ما أعلن عنه المدعي العام الفرنسي أوليفييه كريستيان، مسألة تبدو شديدة الوقع وتؤدي إلى إغلاق كل المسارات التي فتحت قبل فترة قصيرة لتسوية تدريجية للأزمة بين البلدين.
ما كان لافتاً في إعلان المسؤول الفرنسي تأكيده أن التحقيقات في قضايا "إرهاب دولة"، تشمل الجزائر وإيران وروسيا. تكفي هذه المسطرة لتجعل من هذا التصريح ذا خلفية سياسية أكثر منه قضائية، إذ يعلن إلحاق الجزائر قسراً بما تصفه اللوبيات المتشددة في فرنسا والغرب بأنه "محور الشر"، ومثل هذا الخطاب الذي يلصق الجزائر بخصوم الغرب، يتردد منذ مدة في المضمون السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة وفي بعض المنابر العربية، وجرت محاولات متعددة لبناء سردية كاملة ومضللة بشأن "الجزائر إيران روسيا"، ولغايات تضع الجزائر في نقطة الاستهداف السياسي والإعلامي.
بالنسبة لباريس، هذه ليست سابقة تجاه الجزائر على هذا الصعيد، إلا من حيث كونها اتهاماً صريحاً ومعلناً من الدولة الفرنسية ضد الدولة الجزائرية. تتعلق المسألة بقضية اتهامات توجهها باريس إلى المصالح الجزائرية بالتورط في اختطاف واحتجاز ناشط جزائري (أمير بوخرص)، من دون أن تقدم باريس أدلة على ذلك عدا أن رقم هاتف موظف قنصلي جزائري، رصد في منطقة سكن الناشط. يراد لهذه القضية أن تكون محل ابتزاز سياسي وقضائي فرنسي ضد الجزائر، والمقصود بكونها ليست سابقة، أن الذاكرة الجزائرية النشطة، استعادت سريعاً كثيراً من القصص السياسية والإعلامية التي تم بناء سردياتها في فرنسا ضد الدولة والجيش الجزائري في مرحلة الأزمة الأمنية الدامية في التسعينات، والتشكيك في قضية اختطاف واغتيال الرهبان السبعة من دير تيبحرين في منطقة المدية، 120 كيلومتراً جنوبي العاصمة الجزائرية.
كان ذلك الموقف الفرنسي المتردد أقرب ما يكون إلى اتهام رسمي للدولة والجيش الجزائري، كانت باريس بصدد استغلال سياسي ومادي لتأثيرات الأزمة الأمنية، وسيلةً للابتزاز السياسي والاقتصادي، والحصول على مزيد من المكاسب والنفوذ، في ظرفية كانت فيها الجزائر تبحث عن مخارج للتعافي من الأزمة. لم تتغير فرنسا كثيراً على الرغم من التغير الراديكالي للسياقات والظروف، وهي تعيد إنتاج الحالة نفسها باستدعاء الأدوات نفسها والمنظار عينه الذي تنظر به إلى الجزائر وإلى غيرها من دول الضفة الجنوبية للمتوسط، فيما يبدو ثمة مقاومة فرنسية لتقبّل الأمر الواقع الجديد لجزائر مختلفة، وصعوبة واضحة في التأقلم مع التوازنات الموضوعية التي فرضتها الجزائر، بعدما نجحت في تحجيم الحضور السياسي والاقتصادي والثقافي الفرنسي في المجال الجزائري، وبناء شراكات بعيداً عن باريس، وقد يكون هذا هو الأقرب إلى تفسيرات السلوك الفرنسي القلق والمتوتر إزاء الجزائر في السنوات الخمس الأخيرة. هناك مثل شعبي في الجزائر يقول "طار الحمام"، ويعني انتهت اللعبة.