ترامب و"الأمن القومي" وغزة... مزيج من الانكفاء والغموض

06 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 23:05 (توقيت القدس)
ترامب خلال اجتماع في البيت الأبيض، 2 ديسمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تركز "استراتيجية الأمن القومي" لإدارة ترامب على أمن النصف الغربي من الكرة الأرضية، مع اهتمام خاص بأميركا اللاتينية وأوروبا، وتوترات مع فنزويلا.
- تتبنى الوثيقة نهجًا متوازنًا تجاه موسكو والصين، مع الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، مما يعكس رغبة في التعامل بحذر مع القوى الكبرى.
- في الشرق الأوسط، أعلن ترامب عن المرحلة الثانية من خطته لوقف حرب غزة، دون تقديم جديد، مما يثير تساؤلات حول مدى اهتمام الإدارة بالمنطقة.

أصدرت إدارة ترامب، يوم الخميس، وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" التي تتضمن أولوياتها الأمنية في الساحة الدولية، وهو تقليد دأبت عليه الإدارات المتعاقبة بنشر مثل هذا الإرشاد التوجيهي في السياسة الخارجية خلال ولاية الرئيس. وفي الوقت نفسه، أعلن الرئيس ترامب أنه يعتزم إطلاق المرحلة الثانية من خطته لوقف الحرب على غزة. واللافت أن الشرق الأوسط عمومًا، وتحديدًا غزة والقضية الفلسطينية، لم يحظيا إلا باهتمام ثانوي في الوثيقة. فهل يعني ذلك أن المنطقة، بما فيها حرب غزة، لم تعد في حسابات الإدارة وأولوياتها كما كانت عليه في الأشهر القليلة الماضية؟

الوثيقة، بتوجّهها العام، تُعد نسخة منقّحة عن المبدأ الاستراتيجي الذي اعتمده الرئيس جيمس مونرو قبل أكثر من 200 عام (1823)، والذي تمحور حول ربط أمن النصف الغربي من الكرة الأرضية بالولايات المتحدة، ورفض أي منافسة خارجية في هذا المجال. وبموجبه، كانت واشنطن المركز القيادي لهذا الجزء من العالم، وربطت ذلك بأسباب أمنها وازدهارها. في ذلك الزمن، كانت أميركا قد أنجزت استقلالها بعد حروبها مع بريطانيا، وباتت تمتلك قوة بحرية قوية نسبياً. اليوم يعتمد الرئيس ترامب المقاربة نفسها تقريباً، إذ يعطي الأهمية الأولى لأميركا اللاتينية كما لأوروبا. فالأولى خُصص لها حيز ملحوظ، بل غير اعتيادي، في الوثيقة، في لحظة يخوض فيها مواجهة مع إحدى دولها، فنزويلا، التي يراهن، أو على الأقل يأمل، أن يضطر رئيسها مادورو إلى الاستقالة ومغادرة البلاد. كذلك خصص الإرشاد حيزاً خاصاً لأوروبا، جمع فيه بين نقده "للانحدار الأوروبي" وحرصه على مساعدة القارة الحليفة على "تصحيح مسارها"، على اعتبار أن أميركا "لا تقوى على شطب أوروبا من حساباتها" الأمنية والاقتصادية وغيرها. وفي ذلك إعادة نظر في علاقة واشنطن بالحلف الأطلسي، وتجاوز لما كان قد أوحى به الرئيس أكثر من مرة لجهة رغبته في مغادرة الحلف، إلا أنه عاد وتراجع لاحقاً عن مثل هذا التوجّه، مؤكداً حرصه على العلاقة مع أوروبا.

في المقابل، أفردت الوثيقة مساحة محدودة للحديث عن موسكو بلغة "ناعمة"، حرصًا، على ما يبدو، على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة بين واشنطن وموسكو، بالرغم من إخفاق محادثات مبعوثَي ترامب، ويتكوف وكوشنر، مع الرئيس بوتين الأسبوع الماضي. كذلك اعتمدت الوثيقة لغة مُقنّعة في إشارتها إلى الصين، مكتفيةً بالتعبير عن رغبتها في انتهاج سياسة متوازنة إزاءها تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، وإن لم تخلُ من التلميح إلى أنّ بكين تسعى لتوسيع حضورها على الخريطة الدولية.

في الوقت نفسه، انتقل الرئيس ترامب إلى الشرق الأوسط، واعدًا بإعلان البدء بالمرحلة الثانية من خطته التي أوقفت حرب غزة وأبقت ما بعدها مفتوحًا على المجهول. صحوته الآن على غزة بدت أقرب إلى محاولة تغيير الحديث الطاغي في واشنطن عن الأزمة الساخنة مع فنزويلا، كما عن إخفاق مساعيه مرة أخرى مع الرئيس بوتين لوقف حرب أوكرانيا. ذلك أنه لم يأتِ بجديد لتحريك النصف الثاني المتجمّد من الخطة، الذي "أخطأت الإدارة في التعامل معه وتلكّأت" في نقله إلى حيّز التنفيذ، ما جعله مهددًا بالتبديد. "قوة حفظ الأمن والاستقرار" التي نصّت الخطة على تشكيلها ما زال مصيرها معلّقًا، وكذلك "مجلس السلام" المفترض أن يشرف على إعادة الإعمار. وخلال الفترة الضائعة، دخل جاريد كوشنر على الخط باقتراح المباشرة في بناء تجمعات سكنية في الجزء الذي تحتله إسرائيل من القطاع، ما زاد من الارتياب في مقاصد الخطة أصلًا. وللخروج من هذه الدوامة، طُرح اقتراح بتسليم مهمة الأمن في القطاع "لقوات فلسطينية"، بوصفها "لا بديل لها" لحلّ العقدة التي تقف في طريق فتح بوابة المرحلة الثانية من خطة ترامب. وبانتظار ما وعد به الرئيس بخصوص هذه المرحلة، يبقى السؤال عما إذا كان البيت الأبيض سيُقدم على خطوة تكسر الجمود، أو سيتصرف بما يتوافق مع ما تنطق به استراتيجيته للأمن القومي، التي لا يحتل فيها الشرق الأوسط موقعًا في صدارة اهتماماته، إلا إذا قرر في محطة لاحقة تغيير أولوياته. والسوابق تقول إن ذلك غير مستبعد.

المساهمون