"الهجرة العكسية"... من أقبية اليمين المتطرف إلى سياسات دول

06 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:09 (توقيت القدس)
تظاهرة رفضاً للمهاجرين في وارسو، 11 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أصبحت الهجرة العكسية جزءاً من الخطاب السياسي الرسمي في أوروبا، حيث تبنت دول مثل الدنمارك سياسات صارمة تجاه اللاجئين، مما ألهم دولاً أخرى للنظر في سياسات مشابهة.
- نشأت فكرة الهجرة العكسية من حركات يمينية متطرفة وانتقلت إلى التيار الرئيسي، حيث تبنتها أحزاب قومية وشعبوية، مما جعلها موضوعاً للنقاش السياسي والإعلامي.
- تواجه أوروبا تحديات حول القيم الديمقراطية والمساواة مع انتشار مفهوم الهجرة العكسية، مما يثير مخاوف من تكرار أخطاء الماضي ويضع القارة أمام تحديات في إعادة تعريف هويتها.

لم يعد مصطلح الهجرة العكسية (Remigration)، أي إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية اليوم جزءاً متنامياً فقط من خطاب القوى الشعبوية واليمينية المتشددة في أوروبا، أو مجرد فكرة هامشية لحركات متطرفة، بل تحول إلى موضوع سياسي يناقشه مسؤولو أحزاب سياسية رسمية، مستلهمين تجارب بعض الدول في القارة، أبرزها الدنمارك، حيث تبنت حكومة ميتا فريدركسن في عامي 2015 و2016 سياسات صارمة تجاه اللاجئين، شملت تجميد لمّ الشمل، وتقليص مزايا الرعاية الاجتماعية، وإعادة آلاف اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية، ما جعل سياسيين ألمان وأوروبيين ينظرون إلى تلك السياسة بعنوان: النموذج الدنماركي.

وما كان حتى الأمس القريب مجرد مصطلح هامشي، صار اليوم حاضراً في أكثر من ساحة سياسية أوروبية، من منطقة اسكندنافيا شمالاً، مروراً بألمانيا والنمسا، وصولاً إلى إسبانيا وإيطاليا. حتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى تطبيق ما تنادي به أحزاب اليمين المتطرف، وهو ما عبّر عنه مراراً بعد حوادث أمنية عدة وقعت في الولايات المتحدة، آخرها إطلاق النار الذي نفذّه مواطن أفغاني في العاصمة واشنطن واستهدف عنصرين بالحرس الوطني، في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، في إشارة ضمنية إلى أن إعادة المهاجرين لبلدانهم يمكن أن تكون جزءاً من سياسات وطنية غربية تحظى بدعم شعبي.

يروّج طرح الهجرة العكسية إلى أن حلّ مشاكل أوروبا يبدأ بإعادة المهاجرين إلى حيث جاؤوا

جذور فكرة الهجرة العكسية

لم تولد فكرة الهجرة العكسية في البرلمانات الأوروبية، ولا في مؤسسات القارة الرسمية، بل خرجت من الهامش الأكثر تطرفاً: من غرف مغلقة ومجموعات تواصل مشفّرة جمعت ناشطي حركة "جيل الهوية" (Generation Identitaire). هناك، في تلك الأقبية الفكرية، صيغت الفكرة الأولى، وهي أن حلّ مشاكل أوروبا يبدأ بإعادة الناس إلى حيث جاؤوا. كانت حينها مجرد صرخة هامشية، مصممة لتبقى في دفاتر سرّية، قبل أن تجد طريقها تدريجياً إلى الضوء.

"جيل الهوية" (نشأت عام 2012 في فرنسا)، الحركة اليمينية المتشددة العابرة للحدود الأوروبية، لم تخف مشروعها. ففي كتيّبها المكون من 30 بنداً، تعرض برنامجاً كاملاً لـ"تنظيف أوروبا" عبر سياسات إعادة الهجرة، وتشمل: تسهيل ترحيل غير النظاميين والمجرمين، تشديد شروط التجنيس والإقامة، فرض فترات اختبار للمجنسين الجدد، تقليل الهجرة الجديدة، سحب الامتيازات الاجتماعية، حوافز للعودة الطوعية، بالإضافة إلى تطبيق إجراءات ضد من تصفهم بـ"الإسلاميين"، وحتّى إنشاء وكالة خاصة لإدارة الهجرة العكسية. والأخطر من ذلك، أن الحركة أرسلت هذا البرنامج إلى معظم البرلمانيين الأوروبيين لتسويقه باعتباره خطة جاهزة للتطبيق، ما يؤكد أنها لم تعد حركة تُنظّر للتطرف فقط، بل تسعى إلى تحويله لسياسة عامة. ومع مرور الوقت، لم تعد الفكرة حبيسة مجموعات مغلقة؛ خرجت إلى المجال العام، واستقرت تدريجياً في خطاب أحزاب قومية وشعبوية. هكذا تحوّل ما كان يوماً "تابو" (من النقاشات المحرمة) ولا يجري طرحه علناً إلى موضوع تناقشه منصات حزبية وإعلامية، وتستخدمه قوى اليمين المتشدد بوصفه عنواناً رئيسياً لإعادة تشكيل أوروبا ديمغرافياً وسياسياً.

نموذج الدنمارك

التحول الكبير في قبول فكرة الهجرة العكسية لم يأتِ من اليمين في البداية، بل من يسار الوسط الدنماركي. في عامي 2015–2016، ومع تدفق اللاجئين إلى أوروبا، اعتمدت حكومة ميتا فريدركسن، التي اعتبرت الهجرة "أكبر تهديد لدول الشمال"، سياسات صارمة، شملت: تجميد لمّ الشمل العائلي، إنشاء مراكز ترحيل خاضعة لمراقبة مشدّدة، تقليص المساعدات الاجتماعية للاجئين، وإعادة النظر في أسباب منح اللجوء، خصوصاً للسوريين والأفغان.

باتت "الهجرة العكسية" قضية وطنية متفجّرة في ألمانيا

هذا التحول شكّل لحظة انكسار حقيقية: فجأة لم تعد سياسات الهجرة المتشددة حكراً على اليمين المتطرف، بل تحوّلت إلى نموذج سياسي قابل للتطبيق تتباهى به حكومة يسار وسط. بالنسبة إلى أحزاب اليمين في أوروبا، من ألمانيا إلى بريطانيا، كانت تلك بمثابة هدية غير متوقعة؛ إذ جعلت ما كان يُعدّ سابقاً محرّماً سياسياً يبدو ممكناً ومشروعاً. والمفارقة أن فريدركسن لا تتدخل أو تردّ على استغلال اليمين المتطرف لسياساتها بوصفها نموذجاً لإضفاء الشرعية على موجة جديدة من التشدد الأوروبي.

البيئة الأكثر حساسية

في ألمانيا، حيث يعيش أكبر عدد من ذوي الأصول المهاجرة وحيث يثقل التاريخ بإرث العِرق والنقاء القومي، باتت "الهجرة العكسية" قضية وطنية متفجّرة. وفي الشرق الألماني تحديداً، تحوّل النقاش من فكرة هامشية إلى مشروع سياسي معلن. في براندنبورغ الشرقية، وسط قلق اقتصادي وشعور مزمن بالتهميش بعد الوحدة، استثمر النائب عن حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف هيو برونسون هذا المزاج ليقدّم في ندوة بتاريخ 13 نوفمبر الماضي، خطاباً شعبوياً جديداً رفع فيه صورة لفريدركسن قائلاً بابتسامة على وجهه: "هذه الديمقراطية الاجتماعية غيّرت سياسة الهجرة... فلماذا لا نفعل نحن الشيء نفسه؟".

كان الحضور من فئات تشعر بأنها الخاسر الأكبر في التحولات السريعة: صيادون، موظفون، عاطلون، متقاعدون، وشباب بلا أفق. هنا وجد شعار "استعادة ألمانيا" أرضاً خصبة. برونسون وزميلته دانييلا أوينهاوزن قدّما "النموذج الدنماركي" بوصفه برهاناً على أن التشدد ليس طموحاً يمينياً متطرفاً، بل هو خيار سياسي جاهز، لا تنقصه سوى "الإرادة" لاعتماده في ألمانيا. وفي السياق ذاته، سارعت حركة "جيل الهوية"، صاحبة المفهوم الأصلي للهجرة العكسية، إلى الترحيب علناً بهذا التطور. وقال المتحدث باسم فرع الدنمارك دانيال نوردنتوفت إن ذلك يثبت "صحة ما يطرحه جيل الهوية".

ومع تصاعد النقاش، تحول مصطلح الهجرة العكسية إلى مشروع واقعي يُناقش على مستوى القيادات. في بداية 2024، انعقد اجتماع سرّي في بوتسدام، عاصمة براندنبورغ، شارك فيه نواب من "البديل" ومتطرفون من "جيل الهوية"، بمن فيهم زعيم الحركة النمساوية مارتن سيلنر. في الاجتماع طُرحت "الخطة الرئيسية للهجرة العكسية": ترحيل ملايين الأشخاص من أصول مهاجرة، بمن فيهم مواطنون يحملون جوازات ألمانية، وتنظيم عمليات إعادة ممنهجة لا تعتمد على العودة الطوعية.

تسربت تفاصيل الاجتماع للرأي العام، ما أدى إلى احتجاجات شعبية حاشدة شارك فيها أكثر من 100 ألف شخص، لكن المصطلح نفسه لم يتراجع، بل أصبح جزءاً من برنامج "البديل" وأكثر حضوراً في النقاش العام، وكأنه اكتسب شرعية بمجرد الحديث عنه. السياسيون التقليديون، من المستشار السابق أولاف شولتز إلى المستشار الحالي فريدريش ميرز، حاولوا رسم خط واضح: "لا يمكن التمييز بين الألمان بناءً على الأصل. نحن نحمي الجميع". مع ذلك، يُتهم ميرز باقترابه من "البديل" بتبنيه سياسة متشددة لترحيل عشرات آلاف اللاجئين، وتصريحات اعتبرت عنصرية بحق المهاجرين.

صعود خطاب الهجرة العكسية لم يكن ممكناً من دون استغلال الإعلام ووسائل التواصل

ويجد خطاب الهجرة العكسية في ألمانيا صدى واسعاً في الأرياف والمدن الصغيرة وفي الولايات الشرقية، حيث يُسوّق لحصد شعبية إضافية شعور بأن الهجرة أثقلت الاقتصاد، وأن الاندماج فشل، وأن الدولة تهتم باللاجئين أكثر من المواطنين. هذا أدى إلى تطبيع أفكار كانت مستبعدة بعد الحرب العالمية الثانية، وارتفع التصويت لحزب "البديل" بالتتابع، حتى صار ثاني أكبر حزب في ألمانيا. داخل الحزب اليميني المتطرف توجد انقسامات: جناح غرب ألمانيا يتجنب استخدام المصطلح بشكل مباشر خوفاً من المحكمة الدستورية، بينما جناح شرق ألمانيا يعلنه بوضوح، مؤكداً أن الهدف ليس مجرد العودة الطوعية بل استعادة هوية البلاد. 

صناعة الخوف

صعود الهجرة العكسية لم يكن ممكناً من دون استغلال الإعلام ووسائل التواصل الرقمية. في السنوات الأخيرة، ظهرت مجموعة من الأدوات التي جعلت الأفكار المتطرفة أكثر قبولاً، من خلال فيديوهات على الإنترنت تصور المهاجرين بوصفهم معتدين أو مصدراً للأزمات، وألعاب فيديو تحفز اللاعب على "ترحيل" الأشخاص من اللعبة، وحملات رقمية تربط بين كل أزمة اجتماعية أو اقتصادية بالهجرة.

وأظهرت الدراسات أن المنصات الاجتماعية، مثل فيسبوك وإكس وإنستغرام، سمحت للأحزاب اليمينية والشعبوية في أوروبا بنشر خطاب معادٍ للمهاجرين بشكل مباشر، عاطفي وجاذب، بعيداً عن رقابة الإعلام التقليدي، مستغلة أحداثاً أو أزمات لربط الهجرة بالتهديد الاقتصادي والثقافي. هذا الاستخدام المنهجي للتواصل الرقمي جعل الأفكار المتطرفة أكثر قبولاً لدى قطاعات واسعة من الجمهور، وخلق مناخاً يُهيّئ لقبول سياسات مثل الترحيل أو الهجرة العكسية. كما بيّنت تحليلات أكاديمية أن المحتوى الشعبوي عبر وسائل التواصل يعزز شعور الخطر.

هكذا يُختزل تعقيد الهجرة في سردية واحدة: "المهاجرون سبب كل المشاكل... والحل هو العودة إلى الأصل". سردية بسيطة، لكنها فعّالة، تُسهّل على الجمهور تقبّل فكرة إعادة الهجرة وتحويلها إلى برنامج سياسي مشروع. وفي اجتماع براندنبورغ، قدّم هيو برونسون نموذجاً حيّاً لهذا التوظيف. فقد استند إلى الإعلام المحلي والمحتوى الرقمي لخلق قصة مقنعة: عرض أرقاماً مجتزأة عن كلفة اللجوء، بينها قوله إن الولاية تنفق 600 مليون يورو سنوياً على طالبي اللجوء، ليصل سريعاً إلى استنتاج مباشر: الولاية فقيرة لأن المهاجرين مكلفون. ثم استكمل السرد بعرض صور وعناوين لاعتداءات ارتُكبت في السنوات الأخيرة، ليُشيّد رواية متكاملة الأركان: تهديد أمني وعبء مالي وحلّ جاهز اسمه "التحول الأزرق": أي تبنّي سياسة إعادة الهجرة تحت راية حزب "البديل".

أسئلة وجودية

مع الانتشار السريع لمفهوم الهجرة العكسية، تجد أوروبا نفسها أمام أسئلة عميقة لم تكن مطروحة بهذه الحدّة من قبل: هل يمكن قبول خطاب يدعو لإعادة مواطنين يحملون جنسية البلد إلى "موطن الأصل"؟ هل يمكن لديمقراطية بُنيت بعد الحرب على قيم المساواة أن تفصل نفسها عن ذاكرتها التاريخية؟ وهل سيظل المصطلح مجرد شعار انتخابي، أم يتحول إلى ممارسة سياسية وقانونية؟

في ألمانيا، تشكّل هذه الأسئلة صراعاً بين خوف من تكرار الماضي وقلق من حاضر يتغير بسرعة ومستقبل غير واضح. أما في بقية أوروبا، فتزداد قوة الأحزاب القومية المتشددة التي تجعل من "الهجرة العكسية" محوراً في برامجها، من النمسا إلى إسبانيا وإيطاليا والسويد والدنمارك، وصولاً إلى بريطانيا والولايات المتحدة، حيث عاد ترامب لطرح "مكاتب لإعادة الهجرة"، وبدأت الدعوات لبرامج ترحيل جماعي تكتسب حضوراً سياسياً. مصطلح الهجرة العكسية لم يعد مجرد عبارة طارئة في الخطاب اليميني، بل تحوّل إلى رمز لتحوّل اجتماعي وسياسي عميق يضرب فكرة أوروبا نفسها: قارة تحاول أن تعيد تعريف هويتها بين ضغط التاريخ وقلق الحاضر وصدامات السياسة المعاصرة.

المساهمون