الجيش الروسي ومخاطر الانهيار في 2026

09 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:12 (توقيت القدس)
آليات روسية في موسكو، 7 مايو 2025 (سيفا كاراجان/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشير التقارير الاستخباراتية الأوكرانية إلى احتمال انهيار الجيش الروسي بحلول 2026 بسبب ركود الإنتاج الصناعي وخسائره في المعارك، مما قد يؤدي إلى نهاية الصراع.
- رغم التقديرات، حقق الجيش الروسي نجاحات ميدانية ويشعر بالارتياح السياسي بعد انتخاب ترامب، معتمدًا على عدم قدرة أوكرانيا على تحقيق نصر حاسم.
- التهديد الروسي لأوروبا يتزايد بسبب التحرشات بدول البلطيق، والاتفاقية العسكرية بين فرنسا وأوكرانيا تثير قلق موسكو وتعكس نية الغرب في تعزيز قدرات أوكرانيا.

الجيش الروسي معرَّض لخطر الانهيار في عام 2026. هذه الجملة تلخص عدة تقارير استخباراتية جرى تداولها في العامين، الحالي والماضي. أغلبها مبني على تقديرات أوكرانية. وهناك تقرير اعتُبِر مرجعية قدّمه رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، كيريلو بودانوف، يتضمن شرحاً مفصّلاً لحالة الإنتاج العسكري الروسي، والذي يخمّن أن قدرات روسيا العسكرية ستبدأ بالتفكك بحلول بداية عام 2026. وتقوم التقديرات الأوكرانية على فرضية أن ركود الإنتاج الصناعي الروسي منذ بداية عام 2024، يعني أن الجيش الروسي مُعرّض لخطر الانهيار خلال عامين. بنى بودانوف توقعاته حول مستقبل الجيش الروسي، استناداً إلى بيانات جمعتها أجهزة الاستخبارات الأوكرانية والغربية حول الأداء الميداني على جبهات الحرب في أوكرانيا، وخسارته معارك مهمة أمام نظيره الأوكراني. ووفقاً لبودانوف، الذي من الواضح أن لتصريحاته أجندة خاصة به، فمن المرجح ألا يتمكن الجيش الروسي من شن هجمات مستقبلاً فحسب، بل قد ينهار أيضاً، ما قد يؤدي إلى نهاية الصراع بين أواخر عام 2025 وأوائل عام 2026.

نجاحات الجيش الروسي الميدانية

لا يبدو أن هذه التقديرات ستتحقق في العام المقبل على الأقل، فكل ما يصدر عن روسيا يؤكد عكس ذلك، إذ لم تتعرض لخسائر كبيرة في الميدان خلال عامين، بل خاض جيشها معارك كرّ وفرّ وصدّ هجمات مهمة، واستعادت مساحات كبيرة من الأراضي التي سيطرت عليها أوكرانيا. وأجمع مراقبون على أن روسيا حققت أهم إنجاز عسكري خلال العام الحالي في الحرب مع أوكرانيا، بعد استعادة مقاطعة كورسك التي كانت القوات الأوكرانية قد سيطرت عليها في أغسطس/ آب 2024، بعملية مباغتة تسببت بصدمة لدى الرأي العام وانتقادات لأداء القوات الروسية في المنطقة. أما على المستوى السياسي، فتبدو روسيا مرتاحة أكثر من السابق، بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيساً، إذ قدّم للرئيس الروسي فلاديمير بوتين

حبل نجاة، وأمده بوقت طويل ليناور ويواصل القتال من دون الضغوط التي وضعتها عليه الإدارة السابقة بمعية الدول الأوروبية.

أجمع مراقبون على أن روسيا حققت إنجاز عسكري هام باستعادة مقاطعة كورسك

يتصرف بوتين بارتياح شديد، مع رفضه أكثر من عرض أميركي أوروبي لوقف الحرب، ويطمح من وراء ذلك إلى أن يزيد الضغط على كييف وحلفائها، ويعتقد أن بوسعه أن يحقق هذا الهدف استناداً إلى عاملين: العامل الأول، عدم قدرة أوكرانيا وحلفائها على تحقيق نصر عسكري يطرد قواته خارج المناطق التي احتلتها. والعامل الثاني محدودية الدعم الأميركي والأوروبي العسكري لأوكرانيا، وحسب تقديراته أن ذلك لن يصل إلى مستوى تمكينها تحقيق نصر ساحق على القوات الروسية، وتمكينها من الدفاع عن نفسها كيلا تتعرض لهزيمة ساحقة. قد لا توصل هذه الحسابات الرئيس الروسي إلى نتائج تصمد طويلاً، وهو يتجاهل حتى هذا الوقت مسألة أساسية تتمثل بأن الجيش الروسي الكبير ذا التسليح المتطور لم يحقق الهدف الذي دخل من أجله إلى أوكرانيا، وهو تغيير نظام الحكم، رغم أنه نجح في احتلال مساحات مهمة (أجزاء من دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون).

في الحالتين، لم يلحق الجيش الروسي هزيمة فادحة بالجيش الأوكراني تجبر أوكرانيا على الاستسلام، والسبب الجوهري حسب تقديرات خبراء عسكريين، أن الجيش الروسي عرف تحولاً سريعاً وشاملاً منذ اجتياح أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، ونجح في خوض حرب مواقع، لكنه فقد قوته على خوض حرب مناورة فعالة على نطاق واسع. ويعود ذلك إلى أنه غيّر من تكتيكاته على المستويات كافة كي يخوض حرب المواقع بأفراد ذوي كفاءة منخفضة، ومخازن غير كافية من المدرعات والذخائر المتطورة، وضعف في القيادة والسيطرة، وليس في وسعه سوى شن عمليات هجومية مواقعية لدعم نظرية النصر، أي الصمود لفترة أطول من الدعم الغربي لأوكرانيا، والحفاظ على تقدم لا تستطيع أوكرانيا عكسه.

من المبكر التنبؤ بالآثار الكبيرة التي ألحقتها حرب أوكرانيا بالجيش الروسي، وإمكانية إصدار حكم قاطع حول احتمال انهياره وتفككه، لكن بات في شبه المؤكد أنه لا يستطيع، ولن يفعل، إعادة بناء هيكل قواته وقدراتها، الذي كانت عليه قبل عام 2022، بعد انتهاء العمليات القتالية الرئيسية في أوكرانيا، أو تعليقها من طريق التفاوض. وترجح دراسات غربية أن يحاول الجيش الروسي إعادة بناء قوة قادرة على القيام بنوع من المناورة الآلية، وستتجه الجهود نحو إعادة بنائه حتى عام 2030، وستشكل الخبرة القتالية في أوكرانيا رصيد الجيل القادم من الضباط الروس، كذلك سيدمج الجيش الدروس المستفادة من أوكرانيا. ومهما يكن من أمر، فلا يزال بإمكان الجيش الروسي، الذي أُعيد تشكيله جزئياً، أو بشكل غير فعّال، أن يُهدد مصالح حلف شمال الأطلسي "ناتو" والولايات المتحدة.

وهناك من ينتقد التوقعات الغربية التي تفترض أن القوات الروسية لن تكون قادرة على تهديد "ناتو" على المدى القصير، نظراً لعجزها حالياً عن تنفيذ مناورات عملياتية عالية الفعالية ضد القوات الأوكرانية في أوكرانيا. لذلك يتوجب على "ناتو" تحديث تقييماته للقدرات الروسية قبل عام 2022، واستعداداته لردع أو دحر أي عمل عسكري روسي مستقبلي ضد أوروبا، وستكون التقديرات الغربية لاحتمال التهديد العسكري الروسي متوسط ​​المدى لحلف "ناتو" سطحية بشكل خطير، إذا لم تستند إلى فهم شامل للثقافة العسكرية الروسية، والقدرات الحالية للجيش الروسي في أوكرانيا (بدلاً من تقييمات ما قبل عام 2022)؛ والعوامل والمتغيرات الهيكلية التي ستشكل جهود الدروس المستفادة وعمليات إعادة بناء الجيش الروسي.

هناك استنتاجات مهمة من الحرب مع أوكرانيا، ومنها أن الجيش الروسي يواصل الاعتماد على رصيد التجربة السوفييتية في الحرب العالمية الثانية

(1939 ـ 1945) باعتبارها نموذجاً طموحاً لحرب المناورة التقليدية الفعالة. ويستمر في تطبيق الأسلوب السوفييتي الأمثل لمركزية سلطة اتخاذ القرار على مستوى الجيش وما فوق، من أجل تحقيق أقصى استفادة من مجموعة محدودة من الضباط المؤهلين في الحرب التقليدية. كذلك طوّر نهجاً عملياً محدوداً، مكّنه من تحقيق نجاحات عملياتية بطيئة جداً ضد الدفاعات الأوكرانية المُرهقة، لكن الأساليب الهجومية الروسية لا تُترجم بفعالية إلى حرب مناورة واسعة النطاق، ولن تُؤدي إلى انهيار سريع للقوة الأوكرانية على المديين، القصير والمتوسط.


إذا خرجت روسيا منتصرة فسيتسبب ذلك في أضرار جسيمة على أوروبا

سؤال التهديد الروسي لأوروبا عاد إلى الواجهة بقوة خلال عام 2025، بسبب التحرشات الروسية بدول البلطيق (ليتوانيا، إستونيا، لاتفيا) والسويد وفنلندا والدنمارك، وحتى بولندا وألمانيا. وقد تكررت عمليات اختراق الأجواء من خلال طائرات بلا طيار وأخرى حربية، الأمر الذي بدأت تأخذه دول أوروبا على محمل الجد، لأنه ليس نوعاً من التحرش الموقت، ولا يقف عند توجيه رسائل عابرة من أجل أهداف محددة، بل يحصل ضمن منهج سياسي وأمني، يقع ضمن العقيدة الروسية ونظرة روسيا إلى نفسها في علاقتها مع أوروبا، ودورها التاريخي. وعلى هذا يتجاوز التهديد الذي تُشكله روسيا اليوم على الأمن الأوروبي، وهناك دول في أوروبا باتت على قناعة بأن إمكانية حدوث تغيير منهجي في روسيا لا يمكن، ولا ينبغي، تجاهله. ومع ذلك، طالما استمرت الدولة البوتينية، حتى بعد رحيله، فإن إنهاء غزو أوكرانيا الذي من شأنه أن يُبقي روسيا مسيطرة على المزيد من الأراضي الأوكرانية لن يُنهي الصراع. وسيمنح ذلك موسكو استراحة ثمينة لاستيعاب الدروس المستفادة، وإعادة تنظيم صفوفها وإعادة تسليحها.

أبعد من أوكرانيا

وإن لم يحدث تغيير سياسي جذري في روسيا، فمن المرجح أن تستأنف موسكو سعيها لتحقيق أهدافها وطموحاتها المعلنة والواضحة منذ أمد بعيد، التي لا تهدف فقط إلى إخضاع أوكرانيا بأكملها، بل تتجاوز ذلك بكثير. ومن شأن أي نتيجة كهذه أن تُقدم للمراقبين الآخرين دليلاً على أن استخدام القوة التقليدية المدعومة بالترهيب النووي وسيلة ناجحة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، في أوروبا وخارجها. وبالتالي، على النقيض من الولايات المتحدة، يرى الاتحاد الأوروبي أن النزاع الروسي الأوكراني حاسم بالنسبة إلى مستقبل الغرب، فإذا خرجت روسيا منتصرة، فسيتسبب ذلك في أضرار جسيمة على أوروبا، أمنية وسياسية، وستتعرض سياسات النخب الغربية الحاكمة بأكملها للتهديد. كان لافتاً الهجوم الذي شنته موسكو على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

أخيراً، بسبب توقيع اتفاقية مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في باريس في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تنص على تسليم طائرات من نوع رافال الفرنسية المقاتلة، وأنظمة دفاع جوي وصواريخ مضادة للطائرات لكييف.

الاتفاق الذي وُصف بالتاريخي، للتعاون العسكري بين فرنسا وأوكرانيا، مدته عشر سنوات. ولن تستفيد منه أوكرانيا خلال فترة قريبة، كذلك لا تأثير كبيراً له، في موازين القوى الراهنة والمستقبلية. وما أزعج موسكو، أن مثل هذه الخطط تدل على نية الغرب تزويد أوكرانيا بأسلحة هجومية حديثة، بما في ذلك مقاتلات رافال ذات القدرة النووية، وهذا يمنح موسكو كل الأسباب للاستمرار في العملية العسكرية الخاصة (الاسم الروسي لغزو أوكرانيا) حتى تحصل على ضمانات عسكرية ملزمة لأمنها.