استمع إلى الملخص
- أكدت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية على جهود لبنان لتعزيز سلطة الدولة، مع استعداد الرئيس اللبناني للتفاوض مع إسرائيل، والتزام الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة.
- حذر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية من تزايد الخسائر البشرية والنزوح، بينما تواصل قوات اليونيفيل مهامها رغم الانتهاكات الجوية المتكررة.
عقد مجلس الأمن الدولي، اليوم الأربعاء، جلسة طارئة في نيويورك لمناقشة التطورات المتسارعة في لبنان، وذلك بناءً على طلب من فرنسا، في ظل التصعيد العسكري المتواصل في المنطقة وتداعياته السياسية والإنسانية والأمنية. واستمع أعضاء المجلس خلال الجلسة إلى إحاطات من كبار مسؤولي الأمم المتحدة حول الوضع في لبنان، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية واتساع رقعة النزاع.
واستهلّت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية روز ماري ديكارلو إحاطتها بالتأكيد أن قرار حزب الله مهاجمة إسرائيل في الثاني من مارس/آذار الجاري جاء في سياق تصعيد إقليمي واسع، لكنه أدى إلى جرّ لبنان مجدداً إلى صراع لم يكن يسعى إليه ولا يملك القدرة على تحمّل تبعاته.
ولفتت ديكارلو إلى أن "حزب الله أطلق منذ ذلك التاريخ مئات القذائف، بما في ذلك صواريخ وطائرات مسيّرة، من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل والجولان المحتل، في خطوة اعتبرتها انتهاكاً واضحاً لقرار مجلس الأمن رقم 1701". كما أشار الحزب إلى ضرورة إخلاء السكان من المناطق الواقعة جنوب الخط الأزرق، الأمر الذي زاد حدة التوتر في المنطقة الحدودية.
في المقابل، شنت إسرائيل غارات جوية واسعة النطاق استهدفت مناطق عدة داخل لبنان، بينها مناطق في جنوب بيروت وضاحيتها الجنوبية، إضافة إلى مناطق في البقاع وبعلبك. ووفق ما نقلته المسؤولة الأممية عن الحكومة اللبنانية، فقد أسفرت هذه الغارات عن مقتل أكثر من 570 شخصاً وإصابة أكثر من 1400 آخرين.
كما أشارت إلى أن إسرائيل أصدرت أوامر إخلاء في بعض المناطق المستهدفة، ما أدى إلى نزوح أكثر من نصف مليون شخص، الأمر الذي خلق حالة طوارئ إنسانية جديدة في البلاد. وأوضحت أن وقف الأعمال العدائية الذي تم التوصل إليه في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ساهم في خفض مستوى العنف لفترة من الزمن، إلا أن الاشتباكات لم تتوقف بالكامل.
وقالت ديكارلو إن لبنان اتخذ بعد ذلك الاتفاق خطوات وصفتها بالتاريخية لتنفيذ التزاماته بموجب القرارين 1701 و1559، في محاولة لتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها، غير أنها أشارت إلى استمرار تحديات كبيرة، أبرزها رفض حزب الله التعاون مع جهود الحكومة الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
وفي المقابل، لفتت إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يحتفظ بمواقعه في شمال الخط الأزرق في خمسة مواقع ومنطقتين عازلتين، بينما يواصل تنفيذ غارات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية.
واعتبرت المسؤولة الأممية أن إعلان الرئيس اللبناني جوزاف عون في التاسع من مارس/آذار الحالي استعداد بلاده للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية بهدف التوصل إلى هدنة شاملة يمثل "تطوراً مشجعاً". كما اقترح عون أن يتولى الجيش اللبناني، فور حصوله على دعم لوجستي عاجل، السيطرة على مناطق التوتر ومصادرة الأسلحة وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله.
من جهته، جدد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام تأكيد التزام الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، وفي الثاني من مارس أعلن رفض الحكومة لأي نشاط عسكري خارج مؤسسات الدولة الشرعية، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد الدولة اللبنانية وحدها. كما أعلن مجلس الوزراء اللبناني حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله وإلزامه بتسليم أسلحته، مع تكليف الأجهزة الأمنية بتنفيذ هذا القرار.
الوضع الإنساني
على الصعيد الإنساني، حذّر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر من تزايد الخسائر البشرية والضغوط المتزايدة على البنية التحتية والخدمات الأساسية في لبنان.
وأوضح أن عدد القتلى منذ الثاني من مارس تجاوز 570 شخصاً، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من 1400. كما ارتفعت أعداد النازحين بشكل ملحوظ، إذ سجلت السلطات اللبنانية أكثر من 750 ألف نازح داخل البلاد.
وأشار فليتشر إلى أن نحو 84 ألف سوري وأكثر من ثمانية آلاف لبناني عبروا إلى الأراضي السورية منذ بداية الشهر، في ظل حركة نزوح واسعة باتجاه المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.
وأضاف أن أكثر من 120 ألف شخص يقيمون حالياً في نحو 580 مركز إيواء جماعي، كثير منها يعاني من الاكتظاظ الشديد ونقص خدمات الصرف الصحي والإمدادات الأساسية، الأمر الذي يزيد مخاطر العنف والاستغلال والاتجار بالبشر، خصوصاً بحق النساء والفتيات.
كما أشار إلى أن اللبنانيين ما زالوا يعانون من آثار النزوح والدمار الذي خلفه التصعيد العسكري في عامي 2023 و2024، إضافة إلى تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العميقة التي تعصف بالبلاد منذ عام 2019.
وحذّر أيضاً من تفاقم أزمة التعليم، بعد تحويل عدد كبير من المدارس إلى مراكز إيواء، ما أدى إلى تعطيل الدراسة لعشرات الآلاف من الأطفال. كما أن الاكتظاظ في الملاجئ يزيد خطر انتشار الأمراض ويعمّق الصدمات النفسية والاجتماعية لدى السكان المتضررين.
قوات حفظ السلام
وفي إحاطته أمام المجلس، قال وكيل الأمين العام لعمليات حفظ السلام جان بيير لاكروا إن قوات الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (اليونيفيل) ما زالت تنتشر في مواقعها وتواصل أداء مهامها بقدر ما تسمح به الظروف الأمنية، رغم تصاعد الأعمال العدائية على طول الخط الأزرق.
وأشار لاكروا إلى أن تبادل إطلاق النار اليومي بين حزب الله والجيش الإسرائيلي منذ بداية مارس أدى إلى تصعيد خطير، حيث شهدت منطقة عمليات "اليونيفيل" إطلاق صواريخ وقذائف وطائرات مسيّرة وغارات جوية متكررة.
وأوضح أن البعثة الأممية رصدت منذ الأول من مارس نحو 4120 مساراً جوياً لمقذوفات مختلفة، بينها 2733 مساراً من جنوب الخط الأزرق إلى شماله، إضافة إلى 323 غارة جوية نفذتها القوات الإسرائيلية. كما سجلت اليونيفيل 1387 مساراً جوياً من الشمال إلى الجنوب خلال الفترة نفسها.
وأضاف أن كل مسار جوي قد يمثل عدة مقذوفات، في حين لا تستطيع اليونيفيل رصد بعض أنواع الأسلحة، مثل الصواريخ المضادة للدبابات المحمولة أو الأسلحة الخفيفة.
وفي التاسع من مارس وحده، سجلت البعثة 159 انتهاكاً جوياً، وهو أعلى رقم يتم تسجيله خلال 24 ساعة منذ استئناف الأعمال العدائية، بحسب لاكروا، الذي حذّر من أن هذه التطورات تشكل خرقاً لقرار مجلس الأمن 1701 وتهدد بزعزعة استقرار لبنان والمنطقة.
بيان دولي
وقبل انعقاد الجلسة، تلا السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة جيروم بونافو بياناً باسم الدول المساهمة بقوات في اليونيفيل وعدد من الدول الأخرى، أعربت فيه عن قلقها البالغ من التصعيد العسكري في لبنان.
ودعا البيان إلى العودة الفورية لوقف الأعمال العدائية واحترام قرار مجلس الأمن 1701، كما اعتبر أن قرار حزب الله الانضمام إلى الهجمات الإيرانية ضد إسرائيل كان "متهوراً"، إذ جرّ لبنان إلى حرب لا ترغب بها سلطاته ولا سكانه، داعياً الحزب إلى وقف إطلاق النار وتسليم أسلحته. كما حث البيان إسرائيل على الامتناع عن استهداف البنية التحتية المدنية والمناطق المكتظة بالسكان، واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
موقف لبنان
من جانبه، أكد مندوب لبنان لدى مجلس الأمن أحمد عرفة أن الحكومة اللبنانية عبّرت بوضوح عن رفضها لإطلاق الصواريخ الذي تبناه حزب الله في الثاني من مارس، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تتعارض مع قرارات الدولة اللبنانية بحصر قرار الحرب والسلم بيدها.
وقال عرفة إن الشعب اللبناني لا يريد الحرب، وإن الحكومة ماضية في تنفيذ قراراتها للحفاظ على سيادة الدولة، وأكد أن الأولوية الحالية تتمثل في وقف الحرب وحماية البلاد وضمان أمن المواطنين.
كما أعلن استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مع إسرائيل برعاية دولية وبمشاركة مدنيين بهدف تسوية جميع القضايا العالقة، داعياً المجتمع الدولي إلى دعم المبادرة التي أعلنها الرئيس جوزاف عون.
وطالب مجلس الأمن بالضغط على إسرائيل لتنفيذ القرار 1701 والانسحاب الكامل إلى ما وراء الحدود المعترف بها دولياً، ووقف انتهاكاتها المتكررة للسيادة اللبنانية، إضافة إلى الإفراج عن الأسرى اللبنانيين.
وجدد عرفة تمسك لبنان بآلية متابعة وقف الأعمال العدائية وباتفاقية الهدنة الموقعة مع إسرائيل عام 1949، مشدداً على أن الالتزام بها يصب في مصلحة الطرفين.
الموقف السوري
وخلال الجلسة نفسها، أعربت سورية عن قلقها إزاء التصعيد الخطير في المنطقة وما يخلّفه من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية، مشيرة إلى أن لبنان من بين الدول الأكثر تأثراً بهذه التطورات.
وقال مندوب سورية لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي إن دمشق حريصة على أمن لبنان واستقراره، وتستنكر القصف والتصعيد الذي يتعرض له، محذراً من أن استمرار النزاع قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع في المنطقة.
كما أشار إلى ما وصفه بالانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية، من خلال التوغل في الأراضي السورية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، في خرق لاتفاق عام 1974.
وأكد علبي رفض بلاده لسياسات تهجير المدنيين تحت وطأة القصف، محذراً من تداعيات إنسانية خطيرة على لبنان وسورية معاً. كما رحبت دمشق بقرار الحكومة اللبنانية رفض أي نشاط عسكري ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج مؤسسات الدولة الشرعية.
وفي السياق نفسه، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع دعم دمشق للرئيس اللبناني جوزاف عون في مساعيه المتعلقة بنزع سلاح حزب الله وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية.
كما أعلن الجيش السوري في الثالث من مارس تعزيز انتشار قواته على طول الحدود مع لبنان والعراق بهدف حماية الحدود في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.