اتفاق 10 مارس ومعركة حلب بعيون أنقرة وأكراد تركيا

09 يناير 2026   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
جنود أتراك بتل أبيض، ريف الرقة، 5 يونيو 2022 (أوزغي أيزيل/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تراقب تركيا التطورات في سوريا، خاصةً الصراع بين الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" في حلب، وتسعى لتنفيذ اتفاق 10 مارس كجزء من مسار "تركيا خالية من الإرهاب"، مع استمرار اللقاءات الدبلوماسية مع الحكومة السورية.

- لم تحقق الاجتماعات بين دمشق و"قسد" نتائج ملموسة، حيث تتهم وزارة الدفاع السورية "قسد" بعدم الاعتراف بالاتفاق، بينما أعلنت "قسد" انتهاء مباحثات الاندماج مع الحكومة السورية.

- تواجه تنفيذ اتفاق 10 مارس عقبات كبيرة، حيث تتهم تركيا "قسد" بتعطيل المفاوضات، وتعتبر أن تنفيذ الاتفاق يصب في مصلحة استقرار المنطقة، مع استعدادها لاتخاذ خطوات عسكرية إذا لزم الأمر.

تراقب تركيا أكثر من أي بلد آخر تطورات الأوضاع على الساحة السورية، خصوصاً المعركة المفتوحة بين الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في حلب. وتركز أنقرة بشكل كبير على تنفيذ اتفاق 10 مارس /آذار الماضي الموقَّع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، على اعتباره جزءا من مسار "تركيا خالية من الإرهاب"، لا سيما أن وحدات "الحماية الكردية" تشكل العمود الفقري لتلك القوات. وبما أن حزب العمال الكردستاني ألقى سلاحه وحل نفسه، فإن اتفاق 10 مارس يعد مهماً في تركيا لاستكمال المسار.

وضمن هذا السياق تواصل تركيا لقاءاتها الدبلوماسية مع الحكومة السورية، ويجري وزير الخارجية هاكان فيدان اتصالات مستمرة مع نظيره السوري أسعد الشيباني، فيما تتواصل اللقاءات العسكرية بين البلدين، في ظل ارتفاع وتيرة التحذيرات التي تطلقها أنقرة من أجل تنفيذ الاتفاق ونفاد صبرها. آخر اللقاءات الدبلوماسية، اجتماع فيدان والشيباني في باريس الثلاثاء الماضي، حيث حضرا لغرض مختلف، فيدان للقاء حلفاء أوكرانيا، والشيباني للمشاركة في الاجتماع السوري الأميركي الإسرائيلي. وأوضح فيدان، في تصريحات صحافية بعد الاجتماع، أنه تطرق إلى تفاصيل اللقاءات بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية".

لا نتائج للاجتماع بين دمشق و"قسد"

ولم تصل دمشق و"قسد" إلى نتائج ملموسة خلال الاجتماع الذي عُقد في دمشق، الأحد الماضي، وفق ما أفاد به مصدر حكومي سوري. وقال المصدر، في تصريح لقناة "الإخبارية السورية"، إنّ "الاجتماعات التي عُقدت في دمشق مع "قسد"، بحضور مظلوم عبدي، في إطار متابعة تنفيذ اتفاق 10 مارس لم تُسفر عن نتائج ملموسة من شأنها تسريع تنفيذ الاتفاق على الأرض"، مشيراً إلى أنه جرى الاتفاق على عقد اجتماعات أخرى في وقت لاحق. في المقابل، أعلنت "قسد" انتهاء مباحثات الاندماج بين وفدها ومسؤولين حكوميين في دمشق، مشيرة إلى أن نتائج الاجتماع، الذي حضره قائد قوات "العزم الصلب" في التحالف الدولي العميد كيفن لامبرت، ستُنشر في وقت لاحق. واتّهمت وزارة الدفاع السورية، في بيان الثلاثاء الماضي، "قسد" بعدم الاعتراف باتفاق 10 مارس الماضي، والسعي إلى إفشاله عبر تصعيد عسكري متواصل يهدف إلى جرّ الجيش السوري إلى "معركة مفتوحة تحدد ميدانها هي".

أعلنت وزارة الدفاع التركية أنها ستساعد دمشق ضد "قسد" إذا طلبت ذلك


وارتفعت نبرة التصريحات التركية، حيث أعلنت وزارة الدفاع، في بيان أمس الخميس، أن "عملية مكافحة الإرهاب الأخيرة في حلب نفذها بالكامل الجيش السوري لحماية المدنيين"، لكنها أضافت أنها ستساعد سورية ضد "قسد" إذا طلبت ذلك، مشددة على دعم أنقرة لدمشق "في مكافحتها للمنظمات الإرهابية في إطار الحفاظ على وحدة أراضيها". وشددت على أن "أمن سورية من أمن تركيا ونتابع التطورات عن كثب في العملية التي ينفذها الجيش السوري بالكامل لوحده". 

وكان متحدث باسم وزارة الدفاع التركية قال، في مؤتمر صحافي في 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي، إن "قوات سوريا الديمقراطية" لا تزال تطالب باللامركزية والفيدرالية، ولا تتخذ أي خطوات نحو الاندماج مع السلطة المركزية، معتبراً أن هذا الموقف من "قسد" يضر بوحدة سورية واستقرارها، فيما تراقب أنقرة "عن كثب عملية الاندماج، ونحافظ على تعاون وثيق مع الحكومة السورية وفقاً لمبدأ دولة واحدة، جيش واحد. وإذا قررت الحكومة السورية اتخاذ مبادرة من أجل وحدتها وسلامتها، فإن تركيا ستدعمها".

وتكرر أنقرة دائماً أن جميع الخيارات متاحة أمامها، فيما يبدو أن الوقت يضيق، ولهذا تسعى لاستمالة الموقف الأميركي لصالحها والموافقة على عمليات عسكرية قد تكون محدودة لإجبار "قسد" على قبول تنفيذ اتفاق 10 مارس. وقالت مصادر دبلوماسية تركية، لـ"العربي الجديد"، عن موقف أنقرة الجديد من التطورات وفشل المفاوضات الجارية بين دمشق و"قسد" إن "تركيا تراقب عن كثب التطورات الجارية في ملف التفاوض بين الحكومة في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، ولديها خيبة أمل من تأخر أو تعثر تطبيق الاتفاق بين دمشق و"قسد" لأنها ترى أن تطبيق الاتفاق حل مثالي لوحدة البلاد ويقضي على فرص التدخلات الخارجية، إضافة إلى أنه مسار إقليمي يفضي إلى استقرار المنطقة، موازٍ لمسار تركيا خالية من الإرهاب".

جميع الخيارات مطروحة

وأضافت المصادر: "تركيا لا تزال تضع جميع الخيارات في اعتبارها، بما فيها العسكرية، والجيش يستعد للتحرك بأي لحظة في حال كانت هناك حاجة لذلك. "قسد" تلعب على الوقت وتغير الظروف الدولية، فيما تدرك تركيا حقيقة موقف قوات سوريا الديمقراطية وتكثف من تواصلها الدبلوماسي مع الولايات المتحدة للوصول إلى تطبيق الاتفاق، وهي تعتقد بأن تكثيف التواصل مع الولايات المتحدة قد يقود إلى تطبيق الاتفاق بشكل ما". وشددت على أن "تركيا تدعم الحكومة في دمشق ومواقفها في ملف المفاوضات مع "قسد"، وهي مستعدة للتعاون معها على جميع الأصعدة السياسية والعسكرية في هذا الملف، ومهتمة بشكل أكبر بمسألة الاندماج العسكري، وتنتظر نتائج المفاوضات الجارية بين الطرفين، وتخشى بنفس الوقت من التدخلات الخارجية مع طول الوقت وعدم انتهاء مسار الاندماج".

"ديم" يحمّل دمشق مسؤولية عدم تطبيق اتفاق 10 مارس

وأمام الموقف الرسمي والحكومي التركي، اعتبر حزب ديم الكردي في تركيا، وهو الحزب الكردي الوحيد الممثل في البرلمان، أن حكومة دمشق تركز فقط على الاندماج العسكري دون الحديث عن المادتين الأولى والثانية في الاتفاق اللتين تعنيان بحقوق الأقليات والإعلان الدستوري والتمثيل الحكومي. وقالت المتحدثة باسم دائرة العلاقات الخارجية في "ديم" إيبرو غوناي، لـ"العربي الجديد": "نعتبر في الحزب أن التنفيذ الكامل لاتفاق 10 مارس الخطوة الأهم لسورية بأكملها منذ 8 ديسمبر 2024 (سقوط بشار الأسد)، حيث إن توصل حكومة دمشق والإدارة الذاتية إلى هذا الاتفاق في غضون ثلاثة أشهر كان مؤشراً إيجابياً لسورية. ويتضمن الاتفاق بنوداً تهم الأكراد والعلويين والعرب السنة والشيعة والدروز والمسيحيين بشكل مباشر، إلا أن اقتصار النقاش على البنود العسكرية فقط يعد قصوراً كبيراً، فلا أحد يناقش حتى المادتين الأولى والثانية من الاتفاق. ولو أخذت هاتان المادتان بعين الاعتبار، لكان من المفترض ضمان مشاركة جميع السوريين في العملية السياسية. علاوة على ذلك كان ينبغي تعريف الأكراد على أنهم جزء لا يتجزأ من الدولة السورية، وضمان حقوقهم دستورياً".


ليفنت كمال: العقبة الكبرى أمام التوصل إلى اتفاق هي مطالب وحدات حماية الشعب الكردية


وأضافت غوناي: "نلاحظ وجود جهات داخل سورية وخارجها، تسعى إلى تقويض اتفاق 10 مارس لكن هناك أيضاً أجندة سياسية تعطي الأولوية لمستقبل حر وديمقراطي للبلاد. إن فشل الاتفاق بين دمشق و"قسد" يعني تصفية مستقبل سورية الديمقراطي على يد هذه القوى. وبعد سقوط نظام الأسد، لا تستطيع المجتمعات تحمل حرب أهلية أخرى وتدخل دولي". واعتبرت أنه "سيتعين على عدم تنفيذ اتفاق 10 مارس، أو احتمال فشله، عواقب وخيمة على سورية نفسها وعلى دول الجوار. لذلك نعتقد أن التنفيذ الكامل للاتفاق يصب في مصلحة دول الجوار أيضاً، ونعتقد أن الخيار الوحيد لإبعاد تركيا عن دوامة الصراع هو التنفيذ الكامل لهذا الاتفاق، وإلا فإنها تخاطر بأن تصبح سورية ساحة معركة لقوى عالمية وإقليمية، مثل إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وروسيا، وهذا ليس في مصلحة سورية أو تركيا أو العراق".

وعن ارتباط المسار السوري بالمسار التركي المتعلق بإلقاء حزب العمال الكردستاني السلاح وحل نفسه، قالت غوناي إن "عملية السلام والمجتمع الديمقراطي الجارية في تركيا لا تهدف فقط للقضاء على منطقة الصراع في تركيا، بل تهدف أيضاً إلى تقديم منظور سلمي وديمقراطي لحل القضية الكردية في العراق وإيران وسورية. ونعتقد أن المشاكل بين الإدارة الذاتية ودمشق يمكن حلها من خلال هذا المنظور. ونرى أن أولوية الاتفاق يجب أن تكون مستقبل الدولة السورية الديمقراطي، وعلى الدول والقوى على الصعيدين الإقليمي والعالمي احترام ذلك".

ورفضت غوناي تحميل "قوات سوريا الديمقراطية" مسؤولية عدم تنفيذ الاتفاق بين دمشق و"قسد" قائلة: "لا نرى أن "قسد" لا تنوي التوصل إلى اتفاق، بل على العكس اتخذت خطوات لإظهار استعدادها ورغبتها في دفع المفاوضات قدماً، وكان أهم هذه الإجراءات انسحابها من الأحياء الكردية في حلب (في إبريل نيسان الماضي)، وتسليم الأمن إلى وحدات الأمن المحلية". وبينت أن "قسد انسحبت إلى المنطقة الشمالية الشرقية عبر ممر فتحته دمشق، وذلك في بادرة حسن نية، إلا أن القوات الموالية لدمشق تشن حالياً هجمات على الأحياء الكردية في حلب. هذا المثال الملموس يقدم مؤشرات مهمة حول الطرف الذي لا يتخذ أي خطوات. وثمة نقطة أخرى تتعلق بالمادتين الأولى والثالثة من الاتفاقية، فبعد توقيعها بفترة وجيزة أعلن الجولاني (الرئيس أحمد الشرع) دستوراً انتقالياً دون استشارة المجتمع بأسره. وبينما كان من المفترض أن يضمن تمثيل جميع شرائح المجتمع السوري، فقد عين أسماء من هيئة تحرير الشام في جميع مستويات مؤسسات الدولة".

تراجع الآمال بنجاح تطبيق الاتفاق

وأظهرت المواقف الرسمية التركية ووجهة نظر حزب ديم الكردي، المعني بشكل مباشر بالتواصل مع حزب العمال الكردستاني والأحزاب الكردية الأخرى بتحميل الحكومة السورية مسؤولية عدم تطبيق اتفاق 10 مارس بين دمشق و"قسد" حجم الفجوة بين الطرفين، وهو ما دفع خبراء للحديث عن تراجع الآمال بإمكانية تنفيذ الاتفاق. وقال الكاتب والصحافي التركي المختص بالشأن السوري ليفنت كمال، لـ"العربي الجديد"، إنه "عقب المحادثات الأخيرة في دمشق، صرح الطرفان باستمرار المفاوضات، ومن هذا المنطلق فإنه لا يوجد أي تقدم فكري أو عملي، ويتضاءل الأمل في تنفيذ الاتفاق يوماً بعد يوم، وفي الواقع بات الأمل ضئيلاً للغاية". وأضاف: "لم يكن اتفاق 10 مارس تقنياً بالمعنى الحقيقي، فقد حُددت مدته وجوانبه العملية وآلياته شفهياً بين الطرفين، واتفقا على الانتقال إلى المرحلة العملية بحلول نهاية 2025، إلا أن قوات سوريا الديمقراطية أصرت في الاجتماع الأخير على تمديده. لكن تمديد الموعد النهائي غير منطقي في ظل وجود مشاكل خطيرة من حيث المبدأ".

وحول السيناريوهات الموجودة أمام تركيا لتطبيق الاتفاق بين دمشق و"قسد" قال كمال: "فشل اتفاق 10 مارس في الوقت الراهن، ورغم كل الجهود المبذولة، تسعى "قسد" إلى فرض مطالبها القصوى. ومن هذا المنطلق يتمثل السيناريو الأرجح في تعاون أنقرة ودمشق، مع ممارسة واشنطن ضغوطاً على قسد، بل يمكننا القول إن هذا قد بدأ بالفعل". وأضاف: "يتضمن السيناريو الثاني عملية جراحية دقيقة لإجبار قسد على إعادة النظر في موقفها، زمانياً ومكانياً، بهدف اتخاذ تدابير قسرية للتوصل إلى حل. بعبارة أخرى هي عملية تستهدف مناطق ونقاطاً تشكل تحدياً عسكرياً وسياسياً لقسد بشكل محدود بهدف تسهيل المفاوضات. أما السيناريو الأخير والمطروح حالياً على جدول أعمال الجانبين، فهو عملية تمشيط واسعة النطاق، ويمكننا القول إن أنقرة ودمشق ستعملان معاً في عمليات محدودة المدة وأخرى واسعة النطاق".

وعن مآلات المرحلة المقبلة، قال كمال: "يمكننا القول إن هناك اتفاقاً فعلياً قائماً على أسس منطقية ومبدئية، ومع ذلك ونظراً لاختلاف تعريف البلدين (تركيا وأميركا) للمفاهيم نفسها، فمن الممكن القول إن المفاوضات لا تزال جارية بشأن التفاصيل الفنية. يتفق البلدان على السيادة والسلامة الإقليمية، لكن ثمة اختلافات فنية حول كيفية تحقيق ذلك. ويمكننا القول إن الجانب الأميركي يعيد الآن تحديد موقفه بشأن هذه القضية، ويقترب من الموقف نفسه الذي تتفق عليه أنقرة".

وحول العقبات التي تواجه تنفيذ الاتفاق بين دمشق و"قسد" أشار كمال إلى أن "العقبة الكبرى أمام التوصل إلى اتفاق هي مطالب وحدات حماية الشعب الكردية، المكوّن الرئيسي لقسد. فرغم ادعائها أنها تحالف عربي- كردي، ورغم هيمنة العرب ديمغرافياً (عليها)، إلا أن وحدات حماية الشعب الكردية تسعى لاستغلال محادثات المصالحة منصةً لفرض خطة حكم ذاتي قائمة على أساس عرقي، ما يعيق تقدم قسد في المفاوضات. ومن هذا المنطلق يستحيل القول إن وحدات حماية الشعب الكردية تنوي تنفيذ الاتفاق، بل إنها تحاول تحويل هذه العملية إلى فرصة لضمان بقائها التنظيمي".