إشارات وتحركات أميركية لفرض الأمر الواقع في غزة والضفة الغربية
استمع إلى الملخص
- تتصاعد الانتقادات للعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مع دعوات من شخصيات سياسية وفكرية لوقف الدعم غير المحدود لإسرائيل بسبب انتهاكاتها في غزة.
- زار وزير خارجية إسرائيل واشنطن لمحادثات حول الأمن والمساعدات في غزة، بينما أعلن ترامب عن تأجيل "مجلس السلام"، مما يعكس غموض الأجندة الأميركية.
فيما يلفّ الغموض والجمود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة، وتتزايد الريبة والشكوك بمقاصدها ونهاياتها، توالت في الأيام الأخيرة جملة معطيات ومؤشرات تتقاطع بصورة أو بأخرى عند ما يبدو أنه سعي حثيث لترسيخ الأمر الواقع على الأرض في القطاع والضفة الغربية، بغية اعتماده منطلقا لبناء المخارج على أساسه، أو بالأحرى لسدّ أبواب المخارج المطلوبة والمشروعة لتغييره. وقد شمل التحرك ساحات الكونغرس وتيار "الإنجيليين الصهاينة" في أميركا، فضلاً عن نشاطات سياسية ولقاءات دبلوماسية في واشنطن، ولو أن هذه الأخيرة بقي خطابها عن أوضاع المنطقة وتعقيداتها ومخاضاتها في إطار العموميات، ربما للتمويه أو لأن هذه الأوضاع ما زالت، وحتى إشعار آخر، مفتوحة على شتى المآلات.
أول من أمس الأربعاء، عقدت اللجنة الفرعية التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي جلسة استماع لخبراء في قضايا الشرق الأوسط، حول موضوع "فهم يهودا والسامرة (الاسم الإسرائيلي للضفة الغربية المحتلة) من الزوايا التاريخية والاستراتيجية والديناميكية السياسية في العلاقات الأميركية–الإسرائيلية". ومن العنوان الذي اختاره رئيس اللجنة الجمهوري، مايك لولر، يتضح الموقف من الضفة.
فالجمهوريون عموماً، ومعهم الكثير من الديمقراطيين، يطلقون عليها اسم يهودا والسامرة تبنياً للتسمية التي تعتمدها حكومة بنيامين نتنياهو. وخلال الجلسة تكشفت ملامح خداع في موقف الإدارة الأميركية تجاه مخاطر ضمّ الضفة أو أجزاءٍ منها. رئيس اللجنة، النائب لولر، أكد أن الرئيس ترامب حين قال بأنه لا يسمح بضمّ الضفة أو جزء منها، كان يقصد أنه يعارض ضمّ الأراضي التي ليست تحت سيطرة إسرائيل. وأضاف أنه "من المهم النظر إلى الخريطة الجغرافية للمكان التي تُبيّن أن 60% من الضفة تحت السيطرة الإسرائيلية"، وبالتالي فإن ما يعنيه ترامب، حسب لولر والجمهوريين، أن ضمّ هذا القسم هو خارج قراره بالمنع، وبالتالي فهو ضمّ مباح. وحتى الآن لم يصدر نفي أو تصحيح من البيت الأبيض لكلام رئيس اللجنة الذي تحدث بلغة "التأكيد" عن مقصد الرئيس. وإذا كان الأمر كذلك فإن ضمّ الـ60% صار مسألة وقت بانتظار نضوج ظروفها إسرائيلياً وأميركياً لترجمتها.
يأتي هذا الإفصاح المبطّن وسط تصاعد تعبيرات الضيق من متاعب خصوصية العلاقة الأميركية مع إسرائيل وتكاليفها. ولم يعد يقتصر الإعراب عن عدم الارتياح لهذه الكلفة على رموز الجمهوريين الكلاسيكيين من أمثال تاكر كارلسون وستيف بانون، بل بدأ يتخطى هذه الدائرة التي راحت تنضم إليها وجوه أخرى من النخبة في الشؤون الخارجية، مثل أندرو ميلر، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، والنائب الأسبق لمساعد وزير الخارجية للشؤون الفلسطينية–الإسرائيلية، والذي دعا مؤخراً إلى إنهاء "الاستثناء الإسرائيلي" في العلاقة مع واشنطن، في مقالة مطوّلة في مجلة "Foreign Affairs" المرموقة. وجاء اعتراضه هذا من ضمن موجة ما يمكن تسميته بتيار "كفى" والذي شمل رموزاً إعلامية (مثل تاكر كارلسون الذي يضع إسرائيل في منزلة البلد الآخر وليس الحليف)، وفكرية (مثل البروفيسور الجامعي جيفري ساكس)، وأعضاء في الكونغرس (مثل السيناتور بيرني ساندرز والسيناتور كريس فان هولن)، والتي دعت جميعها وبدون مواربة إلى وقف السخاء اللامحدود في الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي الأميركي لإسرائيل، والذي خرج إلى العلن في أعقاب فظائعها وانتهاكاتها في حرب غزة.
ليس ذلك فحسب، بل هناك تآكل غير مسبوق نسبياً في تأييد إسرائيل وصورتها حتى لدى شريحة من الجيل الجديد للجمهوريين، كما كشفت الاستطلاعات. فالأرقام التي كشفتها الاستطلاعات الأخيرة لا بد وأنها أثارت الهلع لدى المسؤولين الإسرائيليين. وربما كان ذلك من ضمن الدوافع التي حملت وزارة الخارجية الإسرائيلية قبل أيام إلى استضافة ألف رجل دين من جماعة "الإنجيليين الصهاينة" الأميركية لمدة أسبوع، كانت بمثابة حشد لشنّ حملة مضادة في الولايات المتحدة.
وسط هذه الأجواء زار وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر، واشنطن، وأجرى خلال الزيارة محادثات مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، وقد أحاطت بها أقل ما يمكن من الأضواء، حيث لم يصدر بيان عن الخارجية الأميركية حول المحادثات كالمعتاد، بل اكتفى الوزير روبيو بتغريدة ذكر فيها أن اللقاء تناول "مسائل الأمن الإقليمي والقضايا المتعلقة بالجهود المبذولة بشأن المساعدات الإنسانية في غزة". من جانبه، قال الوزير ساعر إن المشاورات تناولت الأوضاع في الشرق الأوسط، كما شمل الحديث الخطوات المتخذة ضد المحكمة الجنائية الدولية التي تنظر في انتهاكات إسرائيل في غزة والمصنفة جرائم حرب.
ويذكر أن ساعر شارك الأربعاء في مؤتمر بواشنطن نظمته جريدة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، وحضره أيضاً المبعوث الأميركي إلى سورية توماس برّاك، الذي طالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد. وهو طلب أبدى الوزير ساعر عدم التجاوب معه بزعم فقدان الثقة مع دمشق في ضوء "المطالب الجديدة" التي تقدمت بها، وبما يفيد أن إسرائيل في وادٍ آخر لناحية التركيز على ملفات أخرى تتوزع بين "تقسيم" غزة الذي يكثر الغمز من زاويته، وبين ما يتردد عن موضوع الضم في الضفة.
وما يرجّح هذا الاعتقاد أن الرئيس ترامب أعلن عن تأجيل الإعلان عن تشكيلة "مجلس السلام" بشأن غزة إلى العام القادم، بعد أن كان قد وعد بالكشف عن أسماء عناصره قبل أعياد الميلاد ورأس السنة. الرسالة أن التركيبة غير جاهزة لأن أجندتها غير محددة وربما عرضة للتغيير الذي لا بد وأن يتناسب مع ما ترسو عليه القرارات النهائية التي يبدو أن الإدارة الأميركية منفتحة على احتمالاتها.