إسرائيل تراهن على حرب أميركية على إيران

04 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 04:09 (توقيت القدس)
ساحة فلسطين وسط طهران، 30 يناير 2026 (كافيه كاظمي/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تستغل إسرائيل الاحتجاجات في إيران لتعزيز تهديداتها، وتراهن على حرب أميركية مستفيدة من الأزمات الإيرانية لتوجيه ضربة قد تزعزع النظام.
- تعزز إسرائيل التنسيق العسكري مع الولايات المتحدة، وتستعد لمواجهة إقليمية، مفضلة الخيار العسكري على المفاوضات بين طهران وواشنطن.
- تضع إسرائيل شروطاً صارمة لأي اتفاق مع إيران، تشمل تفكيك المشروع النووي وتقييد القدرات الصاروخية، وتسعى لتغيير النظام الإيراني بدلاً من تهذيبه.

منذ استغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب

موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران لبدء حملة تهديد علنية ضد النظام الإيراني، شعرت إسرائيل بأن الفرصة باتت مواتية لاستكمال ما بدأته خلال حرب الأيام الـ12 على إيران في الصيف الماضي، مراهنة على شن حرب أميركية على إيران. وكانت تل أبيب قد عادت، في الأشهر الأخيرة، وقبل اندلاع موجة الاحتجاجات في إيران، في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 الماضي ثم توقفها، إلى توجيه تهديدات مباشرة لطهران، مؤكدة أنها لن تسمح بإعادة ترميم المشروع النووي الإيراني ولا بإعادة بناء قدرات طهران الصاروخية والعسكرية.

ومع تصاعد حدة التهديدات الأميركية لإيران منذ مطلع العام الحالي، وإرسال قوات بحرية وجوية أميركية كبيرة إلى المنطقة لتعزيز مصداقية التهديد، بات كثير من المحللين والخبراء في إسرائيل على قناعة بأن شن حرب أميركية على إيران بات شبه محسوم، وأن النقاش الدائر يتركّز أساساً على توقيت الضربة وحجمها. وقد صرّح ترامب في أكثر من مناسبة بأن الهدف هذه المرّة قد يصل إلى إسقاط النظام الإيراني، وهو طرح لقي ترحيباً ودعماً واسعَين في إسرائيل.

يأتي هذا التحوّل نتيجة شعور أميركي–إسرائيلي متزايد بأن النظام في إيران يواجه أزمات متراكمة، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية (عمّقته إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران في سبتمبر/أيلول الماضي، والتي كانت سارية قبل الاتفاق النووي لعام 2015

)، واتساع موجات الاحتجاج، والضربات العسكرية الإسرائيلية التي نُفِّذت في الصيف الماضي، فضلاً عن تراجع قدرات حلفاء إيران في المنطقة، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وبصورة عامة، يسود تقدير مشترك في واشنطن وتل أبيب بأن الظروف باتت مواتية لتوجيه ضربة قاسية لإيران، قد تُفضي إلى زعزعة النظام بشكل جدّي، وربما إسقاطه. وعليه، تغيّرت معادلات التصعيد الحالية، إذ لم تعد الأهداف مقتصرة على توجيه ضربة قاسية للمشروع النووي الإيراني والقدرات الصاروخية فحسب، بل باتت تمتدّ إلى استهداف النظام نفسه.

شروط تعجيزية لأي اتفاق

تجلّت الحماسة الإسرائيلية والدعم العلني لاحتمال شن حرب أميركية على إيران واستهداف نظامها، في تحضيرات عسكرية إسرائيلية لاحتمال اندلاع مواجهة واسعة في المنطقة، وفي تعزيز مستوى التنسيق العسكري بين تل أبيب وواشنطن. كما ترافق ذلك مع تحذير مباشر مفاده بأنّ أي ردّ إيراني يستهدف إسرائيل سيُواجَه بردّ إسرائيلي غير مسبوق. وكان آخر هذه التهديدات ما ورد في خطاب رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو

، أمام الكنيست الإسرائيلي، يوم الاثنين الماضي، إذ شدّد على استعداد إسرائيل للتصعيد وعلى خطوطها الحمراء في مواجهة إيران. ولا تُخفي إسرائيل مساعيها الحثيثة لدفع الإدارة الأميركية إلى المضيّ قدماً نحو توجيه ضربة عسكرية واسعة ضد إيران، وتؤكّد أنها ستكون شريكاً مباشراً في أي حرب أميركية على إيران. وتتمثل هذه الشراكة سواء عبر تزويد واشنطن بالمعلومات الاستخباراتية، ونقل الخبرات والدروس المستخلصة من حربها الأخيرة على إيران، أو عبر مشاركة عسكرية فعلية في القتال.

عبّرت إسرائيل عن قلقها العلني عقب تداول أنباء عن احتمال بدء مفاوضات بين طهران وواشنطن

في هذا السياق، عبّرت إسرائيل عن قلقها العلني عقب تداول أنباء عن احتمال بدء مفاوضات بين طهران وواشنطن، خلال الأسبوع الحالي في أنقرة، مؤكدة بوضوح أنها تُفضّل الخيار العسكري على المسار الدبلوماسي.

مصلحة إسرائيل من حرب أميركية على إيران

كان هذا الموقف جلياً في العرض التحريضي الذي قدّمه نير دفوري، المحلل العسكري في القناة 12 الإسرائيلية، والمقرّب جداً من المؤسّسة العسكرية، حتى يمكن اعتباره ناطقاً غير رسمي باسم الجيش الإسرائيلي. فقد قدّم خلال نشرة الأخبار المركزية، مساء الأحد الماضي، طرحاً واضحاً ومتماسكاً لتبرير مصلحة إسرائيل في حصول حرب أميركية على إيران وإقناع إدارة ترامب بتنفيذها، وتجنّب المسار التفاوضي، بما يمكن الاستنتاج منه أنه يعكس مزاج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وقال دفوري إن سلسلة الزيارات التي شهدناها في الأيام الأخيرة، من زيارة رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إلى واشنطن برفقة عدد من قادة الجيش، مروراً بزيارة شلومي بيندر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وقبلها زيارة دافيد برنيع رئيس جهاز الموساد (هيئة الاستخبارات والمهمات الخاصة)، ليست سوى حملة منسّقة تهدف إلى نقل معلومات وتحليلات إسرائيلية بشأن محاولات إيران إعادة ترميم قدراتها العسكرية والصاروخية، وحثّ الجيش الأميركي على تنفيذ هجوم ضد إيران، وعدم الوقوع في فخ المفاوضات. ووفقاً لدفوري، فإنّ شنّ حرب أميركية على إيران في ظل هذه الظروف والمعطيات، يُعدّ مصلحة استراتيجية عليا، وعلى إسرائيل عدم إهدار "الفرصة الذهبية" لاستكمال المواجهة مع إيران، وربما السعي إلى إسقاط النظام.

كذلك، قدّم آفي أشكنازي، المحلل العسكري في صحيفة معاريف الإسرائيلية، يوم الأحد الماضي، موقفاً مشابهاً لموقف دفوري. وقال إن زيارة زامير إلى واشنطن وعقده لقاءات مع كبار المسؤولين في المنظومة العسكرية الأميركية، بمرافقة رئيس هيئة التخطيط اللواء هادي زيلبرمان، الذي شغل حتى وقت قريب منصب الملحق العسكري في واشنطن ويُعدّ صاحب أفضل شبكة علاقات داخل البنتاغون (وزارة الحرب الأميركية)، إلى جانب قائد سلاح الجو المُعيَّن حديثاً عومر تيسلر، ورئيس شعبة العمليات وشعبة "تيفيل" (العلاقات الخارجية في الجيش) عميت أدلر، تُبرز الأهمية القصوى التي يوليها الجيش الإسرائيلي لدفع الجيش الأميركي نحو توجيه ضربات عسكرية ضد إيران ورفع التنسيق المباشر بين الجيش الإسرائيلي والأميركي.

دعم واسع لأهداف الحرب

أوضحت إسرائيل الشروط التي ترغب في أن تفرضها الإدارة الأميركية على إيران، سواء بالقوة أو عبر المفاوضات، مع تفضيل واضح لاستخدام الخيار العسكري. وبحسب مسؤولين في إسرائيل، فقد عرضت الحكومة الأميركية على الجانب الأميركي شروطاً لعدم تنفيذ هجوم، وهي شروط تتقاطع إلى حد كبير مع المطالب الإسرائيلية. وتشمل: تسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب الموجود لدى إيران، وتفكيك المشروع النووي، وتقييد منظومة إنتاج الصواريخ الباليستية وتصديرها، وتفكيك شبكة الحلفاء الإقليميين، بما في ذلك حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وحركة حماس، والمليشيات في سورية. تعني هذه الشروط، عملياً، المطالبة باستسلام إيراني كامل لهيمنة إسرائيل والولايات المتحدة على المنطقة، بما يتجاوز أي إطار تفاوضي تقليدي نحو فرض معادلة إخضاع شاملة.

ولتحقيق هذه الشروط، تُفضّل إسرائيل اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية. ولا يقتصر هذا التفضيل على الحكومة الإسرائيلية فحسب، بل يمتدّ ليشمل وسائل الإعلام ومراكز أبحاث مركزية، إلى جانب محلّلين وخبراء بارزين يروّجون لهذا الخيار بوصفه المسار الأكثر نجاعة. فقد كتب يعقوب نيغل، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والذي شغل سابقاً منصب مستشار الأمن القومي لنتنياهو، وعمل رئيساً بالإنابة لمجلس الأمن القومي، مقالاً في صحيفة معاريف، الاثنين الماضي، (2 شباط/فبراير) شرح فيه أسباب دعوته الإدارة الأميركية إلى تنفيذ هجوم عسكري على إيران والامتناع عن التوصل إلى أي اتفاق معها. وقال نيغل: "بعد الحملة الإسرائيلية - الأميركية التي قضت على أجزاء واسعة من البنى التحتية النووية والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، (عدوان يونيو/ حزيران الماضي)، وهي أصول شرعت إيران بالفعل في إعادة ترميمها على نطاق واسع، لم يبقَ سوى هدف واحد لأي مفاوضات مستقبلية، إذا قرّرت الولايات المتحدة عن طريق الخطأ الدخول فيها". وأضاف أن هذا الهدف هو "تفكيك كامل لكل ما تبقّى أو أُعيد بناؤه. لم تعد هناك أوهام ولا ألعاب دبلوماسية قائمة على كسب الوقت".

وفي رأيه، فإنّ "أي اتفاق يوفر تخفيفاً للعقوبات و/أو تدفقاً مالياً كبيراً سيُمكّن (المرشد الإيراني) علي خامنئي والحرس الثوري من السيطرة على هذه الأموال، وانتظار رحيل ترامب، ثم إعادة بناء شبكاتهم الإرهابية، وتوسيع ترسانة الصواريخ، والاندفاع نحو امتلاك سلاح نووي بعد عام 2028 (نهاية ولاية ترامب)". وخلُص نيغل إلى أنّ التوصّل إلى اتفاق مع إيران عبر المفاوضات، من دون القضاء على قدراتها العسكرية وإضعاف النظام، سيمنحها، بلا شك، نصراً استراتيجياً. وشدّد على أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال العودة إلى جولات المحادثات والدبلوماسية الفاشلة كما كان الحال في الماضي.

وقد عبّر تامير هايمان، رئيس مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، عن موقف مماثل برفض إجراء مفاوضات بين إيران والإدارة الأميركية، وذلك في مقابلة تلفزيونية مع القناة 12 مساء الاثنين الماضي. واعتبر أن إيران تمرّ بمرحلة ضعف ينبغي استغلالها لإجبارها على التخلّي عن المشروع النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية، وربما إحداث تغيير في النظام. غير أنه أشار إلى إمكانية ثالثة إلى جانب الضغط العسكري المباشر والمفاوضات، تتمثّل في مواصلة الضغط العسكري من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، إلى جانب تشديد العقوبات الاقتصادية والحصار، وهي خطوات قد تؤدي في رأيه إلى نتائج مشابهة من دون استخدام القوة العسكرية.

إسرائيل تريد تغيير النظام لا تهذيبه

لا تزال إسرائيل على قناعة بأن الولايات المتحدة تجاوزت نقطة اللاعودة، وأن احتمال تراجعها عن تهديداتها بمهاجمة إيران يبقى ضعيفاً. غير أن ذلك لا يُبدِّد قلق إسرائيل من إمكانية التوصّل إلى اتفاق بين الإدارة الأميركية وطهران لا يلبّي كامل مصالحها وأهدافها. ومن هنا، تُكثّف إسرائيل وضع شروط صارمة، وتُحذّر إدارة ترامب من "خداع إيراني" محتمل.

تسعى إسرائيل إلى استغلال التحولات التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023

وتسعى إسرائيل إلى استغلال التحولات التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب على إيران في الصيف الماضي، للدفع نحو تغيير النظام في إيران. في المقابل، قد يقبل ترامب ببقاء النظام الإيراني، ولكن نظاماً ضعيفاً، وشرط تغيير نهجه وسياساته والاستسلام عملياً للمطالب الأميركية والهيمنة الإسرائيلية في المنطقة. ويبدو أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تدفع بشكل علني، واحتفالي إلى حدٍّ ما، إلى حرب أميركية على إيران. ويبقى السؤال المفتوح: هل ستقبل إسرائيل بسيناريو التوصّل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، أم ستلجأ مرة أخرى إلى توجيه ضربات عسكرية منفردة ومستقلّة لفرض رؤيتها بالقوة، ولاستدراج الإدارة الأميركية إلى حرب شاملة مع إيران؟

المساهمون