أوروبا تلعق جراح تهميشها أميركياً من خطة السلام في أوكرانيا

22 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 10:45 (توقيت القدس)
دونالد ترامب في لقاء مع قادة أوروبيين، واشنطن 18 أغسطس 2025 (وين ماكنامي/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مفاجأة الخطة الأمريكية: واشنطن قدمت خطة سلام من 28 نقطة دون استشارة أوروبا، مما أثار غضب العواصم الأوروبية الكبرى لشعورها بالتهميش، خاصة بعد تحملها أزمات الطاقة وتكاليف دعم أوكرانيا.

- الانقسامات الأوروبية: الأزمة كشفت انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث دعت دول البلطيق وبولندا إلى مواجهة قصوى، بينما ترددت ألمانيا وفرنسا، مما جعل أوروبا تعتمد على الدعم الأمريكي.

- التهميش الأوروبي: الأزمة أظهرت هشاشة أوروبا السياسية والعسكرية، حيث لم تشارك في صياغة السلام، مما يثير تساؤلات حول قدرتها على حماية مصالحها دون الاعتماد على الولايات المتحدة.

بينما كانت عواصم أوروبا تستعد لجولة جديدة من النقاشات حول تمويل أوكرانيا من خلال الأموال الروسية المجمدة، باغتتها واشنطن بطرح علني لخطة سلام من 28 نقطة صاغها فريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ولم يكن وقع المفاجأة بسبب الخطة فحسب، بل بما غاب عنها؛ إذ لم يُستشر أي طرف أوروبي، ولم تُعطَ بروكسل أو برلين أو باريس حتى فرصة الاطلاع عليها قبل إعلانها. وهكذا استيقظت أوروبا على حقيقة قاسية مفادها أن الحرب، التي دفعت ثمنها على مدى عامين، تُختتم الآن بصفقة تُناقَش بين واشنطن وموسكو وحدهما.

غضب العواصم الكبرى: لغة غير مألوفة ومرارة سياسية

من يراجع الصحف والتصريحات في برلين وباريس ولندن ودول البلطيق وإسكندنافيا، يلاحظ استخدام لغة غير مسبوقة، فكلمات مثل "تجاوز"، "تهميش"، "نكران جميل" و"قرارات تُتخذ خلف ظهرنا" تصدرت المشهد. حتى إن أحد كبار المسؤولين الأوروبيين، كما نقلت صحيفة بوليتيكو، وصف مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، بأنه "يحتاج لطبيب نفسي/ Witkoff needs a psychiatrist". أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فعبّر بلهجة صارمة عن انزعاجه، قائلاً إن "السلام لا يمكن أن يُفرض على أوكرانيا من فوق"، بينما اكتفى مسؤولون ألمان بالإشارة إلى أن "الطريقة الأميركية في إدارة الملف تُضعف وحدة الجبهة الغربية".

لم تستغرق أوروبا وقتاً طويلاً لتدرك حجم التغيير: قارة تحملت أزمات الطاقة ومئات المليارات لدعم كييف، بالإضافة إلى ملايين اللاجئين، لكنها وجدت نفسها اليوم لاعباً غير ضروري في رسم مستقبل الحرب. وقال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكا راسمون لصحافة كوبنهاغن مساء أمس: "لا يمكن لأوروبا أن تستمر في دفع ثمن حرب لا تُستشار في مسار السلام الخاص بها".

ترامب يعيد رسم قواعد اللعبة: صفقة بلا مجاملات

ولعبت الانقسامات الداخلية دوراً في إضعاف موقف الاتحاد الأوروبي: دول البلطيق وبولندا دعت إلى مواجهة قصوى، ألمانيا ترددت في الانخراط العسكري، وفرنسا لم تحقق استقلالها الاستراتيجي. هذا الانقسام، إضافةً إلى اعتماد أوروبا شبه الكامل على السلاح والاستخبارات الأميركية، جعل القرار العسكري والسياسي النهائي في يد واشنطن. كذلك حرمت القارة نفسها لعب دور فاعل عبر التواصل مع موسكو، في مقابل براغماتية أميركية صارمة امتلكت مفاتيح إنهاء الحرب.

لم تكن خطة ترامب مجرد مقترح سلام، كانت أشبه بصفقة إنذار. فقد لوّحت واشنطن لكييف بوقف الأسلحة والاستخبارات والدعم المالي إن لم تقبل الخطة. صُدمت أوروبا من هذه المقاربة التي بدت مختلفة جذرياً عن المقاربة التدريجية التي اعتادتها. بدا ترامب وكأنه يقول للأوروبيين ولأوكرانيا معاً: "هذه هي الصفقة… خذوها أو اتركوها".

لكن ما أثار غضباً أكبر، هو البند المتعلق بالأصول الروسية المجمّدة، الذي ينص على استخدامها في إعادة الإعمار مقابل حصول الولايات المتحدة على 50% من الأرباح. وبالنسبة إلى بروكسل، بدا هذا البند إهانة مباشرة: أوروبا التي تحملت كلفة الحرب الكبرى، تُستبعد اليوم من الاستفادة من أي جزء من إعادة الإعمار.

فشل القوة الجيوسياسية الأوروبية

وفي خضم ردود الفعل، ظهر تحليل قاسٍ في مراكز التفكير الأوروبية. تقول رواية الخبراء إن الاتحاد الأوروبي فشل في أداء دور القوة الجيوسياسية التي وعد نفسه بها. فالانقسام بين دوله وضعف قدرته الدفاعية واعتماده شبه الكامل على المظلّة العسكرية الأميركية، جعله كل ذلك غير قابل للاستخدام في نظر واشنطن، وسط تراجع ثقة الأوروبيين بأن الولايات المتحدة حليف يمكن الاعتماد عليه.

وبحسب رأي سابق للمحلل البريطاني مارك غاليوتي: "الاتحاد الأوروبي فشل بالكامل في اختبار دوره الجديد. لم يكن حاضراً حين كان يجب أن يكون جزءاً من المفاوضات". فترامب لم يهتم هذه المرة بالمواقف التي عبرت عنها مقررة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مبكراً هذا العام عن أن أي خطة للسلام لا يمكن أن تنجح من دون مشاركة الأوكرانيين والأوروبيين. فالخطة جرى التفاوض عليها بين الكرملين والبيت الأبيض فقط.

بعد إعلان الخطة، هرع القادة الأوروبيون إلى ما أصبح يُسمّى بـ"دبلوماسية الهاتف". اتصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمستشار الألماني فريدريش ميرز وبالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بينما أعلن ستارمر أنه سيجري اتصالات مكثفة مع واشنطن. لكن هذه التحركات بدت كمن يحاول اللحاق بقطار انطلق بالفعل.

أوروبا تلعق جراح التهميش الأميركي

وكشفت الأزمة عن سؤال أكبر من مجرد خلافٍ مع واشنطن. إنها لحظة اختبار لهوية القوة الأوروبية نفسها. قارة دفعت كلفة الحرب على حدودها الشرقية، لكنها لا تملك مفاتيح السلم. قارة تبني استراتيجيات دفاعية من دون جيش موحد، وتطلق برامج استقلال استراتيجي من دون قدرة تنفيذية.

ولعل أكثر ما يخشاه الأوروبيون اليوم، أن تكون خطة ترامب مجرد بداية لمرحلة جديدة يتراجع فيها النفوذ الأوروبي لمصلحة محور أميركي – روسي مباشر، أو لمصلحة ترتيب عالمي لا تنال فيه أوروبا سوى دور رمزي.

في نهاية المطاف، لم تكن خطة ترامب هي الضربة الحقيقية، بل ما كشفت عنه من هشاشة أوروبية سياسية وعسكرية. أوروبا التي دفعت ثمن الحرب، تنظر اليوم إلى السلام وهو يُصاغ من دونها. هذا التهميش ليس حادثاً معزولاً، بل مؤشر على تراجع بنيوي أعمق، يجعل القارة العجوز أقرب إلى "المراقب القلق" منها إلى "الشريك الاستراتيجي".

ربما آن الأوان لتسأل أوروبا نفسها بصدق: هل يمكنها أن تحمي مصالحها من دون الاعتماد على الولايات المتحدة؟ وهل ستعيد بناء قوة مستقلة؟ أم ستظل، كما يصفها البعض "قارة تلعق جراح التهميش الأميركي، بينما يُعاد تشكيل العالم حولها؟".