ألبانيز في عمّان.. احتفاء شعبي بالشاهدة على جرائم الاحتلال
استمع إلى الملخص
- ناقشت ألبانيز توثيقها لعناصر "جريمة إبادة جماعية" وتأثير مشروع "إسرائيل الكبرى" على الاقتصاد الفلسطيني، مشيرة إلى استغلال الموارد الفلسطينية من قبل الاحتلال.
- انتقدت ألبانيز المواقف الدولية وخطط وقف إطلاق النار، داعية إلى مساءلة المسؤولين عن الجرائم، وأكدت استمرارها في عملها رغم العقوبات الأميركية، مما يعكس الدعم الأردني لحقوق الشعب الفلسطيني.
تطرقت ألبانيز إلى الضغوط التي تعرضت لها
الإدارة الأميركية أدرجت ألبانيز في يوليو على قائمة العقوبات
شهدت العاصمة الأردنية عمّان، الأسبوع الحالي، زيارة لافتة للمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيز. وتجاوزت هذه المحطة طابعها البروتوكولي لتتحول إلى شهادة سياسية وقانونية صادرة من داخل المنظومة الدولية نفسها، تعكس اهتمام الأردنيين بالشخصيات ذات المواقف الحقوقية والإنسانية الساعية لكشف الحقيقة وفضح جرائم الاحتلال والمطالبة بتحقيق العدالة.
ورغم عدم إعلان لقاءات رسمية للمقررة الخاصة خلال وجودها في الأردن، فإن الترحيب الشعبي كان واسعاً في الفعالية التي نظمتها منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، مساء الثلاثاء في عمّان. واستهلت ألبانيز كلمتها بتوجيه الشكر إلى الأردن، مؤسساتٍ وشعباً، مؤكدة أنها لمست منذ وصولها حجم التضامن والاهتمام من الأردنيين. وانتقلت بعد ذلك إلى جانب شخصي، مشيرة إلى أن السؤال الذي طُرح عليها مراراً خلال العامين الماضيين حول حالها "لا يمكن الإجابة عنه ببساطة"، في إشارة إلى الأعباء النفسية والإنسانية المرتبطة بطبيعة عملها وتطورات الأوضاع الميدانية.
وتطرقت ألبانيز، التي توثق في تقاريرها جرائم الاحتلال، إلى الضغوط التي تعرضت لها، لافتة إلى خضوعها لإجراءات تُستخدم عادةً بحق أشخاص يُنظر إليهم بوصفهم تهديداً للأمن الدولي، رغم كونها خبيرة مستقلة تؤدي ولاية أممية. وفي السياق القانوني، أوضحت أنها بدأت منذ الأيام الأولى للحرب توثيق ما اعتبرته عناصر "جريمة إبادة جماعية" وفق تعريفها القانوني، مشيرة إلى وقوع عمليات قتل وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم، إضافة إلى فرض ظروف معيشية تؤدي إلى التدمير الشامل، وشددت على أن هذا التوصيف يستند إلى نصوص ومعايير قانونية محددة، لا إلى موقف سياسي أو خطاب عاطفي.
كذلك تناولت ما يُعرف بـ"مشروع إسرائيل الكبرى"، مشيرة إلى خرائط عُرضت في محافل دولية تعكس طموحات تتجاوز الخطاب الداخلي، موضحة أن السيطرة في العصر الحديث لم تعد تعتمد بالضرورة على الوجود العسكري المباشر، بل يمكن فرضها عبر أدوات التكنولوجيا ورأس المال والخوارزميات. واستعرضت أبرز ما جاء في تقريرها حول "الانتقال من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة"، موضحة أن عقود الاحتلال أفرزت بنية ربحية قائمة على استغلال الموارد الفلسطينية ومعاناة السكان. وأشارت إلى أن أبحاثها كشفت شبكة معقدة من الشركات والمؤسسات المالية والجامعات التي تسهم في تكريس واقع الإزاحة والاستبدال، مؤكدة أن المسألة لا تقتصر على الصناعات العسكرية، بل تمتد إلى منظومات التمويل والتكنولوجيا والتطبيع الاقتصادي.
وفي تقييمها للمواقف الدولية، انتقدت خطط وقف إطلاق النار التي رأت أنها غير كافية لمعالجة جذور الأزمة، داعية إلى مساءلة من وصفتهم بـ"مهندسي ومنفذي ومستفيدي" الجرائم. وحثت الدول الأوروبية على مراجعة سياساتها وإصلاح أخطاء الماضي المرتبطة بالاستعمار، والدخول في شراكات أكثر توازناً مع دول الجنوب العالمي، مؤكدة أن العالم بحاجة إلى تعددية مؤسسية جديدة تتجاوز إرث الهيمنة. ووجهت انتقادات مباشرة إلى دول أوروبية، من بينها إيطاليا وفرنسا وألمانيا، معتبرة أنها مارست ضغوطاً لإزاحتها عن منصبها.
وكانت الإدارة الأميركية قد أدرجت ألبانيز في يوليو/ تموز 2025 على قائمة العقوبات، في خطوة أعلنها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، على خلفية تقاريرها المتعلقة بالحرب على غزة والانتهاكات في الضفة الغربية، ما ترتب عنه تقييد سفرها وتعاملاتها المصرفية. إلا أنها أكدت مواصلة عملها دون تردد، مشددة على أنها لا تنوي تغيير نهجها رغم تلك الضغوط.
من جهتها، قالت المديرة التنفيذية لمنظمة النهضة العربية (أرض)، سمر محارب، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن المنظمة دأبت منذ تولي ألبانيز منصبها قبل ثلاث سنوات على متابعة تقاريرها، ولا سيما في ظل الهجوم الذي تعرضت له، بما في ذلك فرض عقوبات عليها بسبب تقرير "اقتصاد الإبادة"، فضلاً عن الفهم المغلوط لتصريحاتها الذي وظفته منصات إعلامية معادية واستندت إليه بعض الحكومات لمطالبتها بالاستقالة. وأوضحت محارب أن ذلك جعل من المهم الاستماع إليها مباشرة، وإبراز حجم التضامن معها.
وأضافت محارب أن الزيارة جاءت بصفة رسمية بالتنسيق مع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ووزارة الخارجية الأردنية، مشيرة إلى أن الأردن يستقبل مختلف المقررين الأمميين، ولم يجد حرجاً في دعم حقوق الشعب الفلسطيني عبر استضافتها. وأوضحت أن التنسيق للزيارة اتخذ طابعاً خاصاً بعد منع ألبانيز من دخول الأراضي الفلسطينية، ما استدعى حضورها إلى الأردن بوصفه الأقرب جغرافياً، للتواصل مع الجهات المعنية والمؤسسات المختصة بحقوق الشعب الفلسطيني واستكمال المهام التي مُنعت من إنجازها في الداخل.
ولفتت محارب إلى أن الاستقبال الشعبي والحقوقي الواسع يعكس مكانة ألبانيز بكونها مدافعة عن حقوق الإنسان سطع نجمها عالمياً. من جانبها، صرحت المستشارة في التنمية الشمولية، سلمى النمس، لـ"العربي الجديد"، بأن اللقاء شهد حضوراً فاق التوقعات، حيث تجاوز عدد المشاركين ألف شخص في قاعة كانت مخصصة لـ250 فقط، ما اضطر المنظمين إلى الانتقال إلى قاعة كبرى، واصفة الحدث بأنه "تعبير جماعي عن موقف شعبي ثابت".
وأشارت النمس إلى أن ألبانيز حذرت خلال اللقاء من أن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود فلسطين ليعكس منظومة عالمية تسعى لفرض أنماط جديدة من الهيمنة، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يجعل شعوب العالم قاطبة عرضة لأنظمة سلطوية متصاعدة. وختمت بالإشارة إلى أن ألبانيز تعمل حالياً على إعداد تقرير جديد يتناول ممارسات التعذيب والانتهاكات المرتبطة بالاحتلال.