أزمة سبتة تتحول إلى وقود سياسي لليمين الأوروبي في معركته ضد الهجرة

05 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 12:21 (توقيت القدس)
احتجاجات في مدريد ضد الهجرة إلى سبتة، 4 أغسطس 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أزمة سبتة تحولت إلى قضية سياسية أوروبية وأمريكية، حيث استغلتها أحزاب اليمين القومي كدليل على فشل سياسات الهجرة وربطتها بمخاوف أمنية وثقافية، مما أضفى بعداً عابراً للأطلسي على الخطاب المناهض للهجرة.

- الأزمة أثرت على السياسة الداخلية للدول الأوروبية، حيث استغلها قادة في السويد والدنمارك وألمانيا لتعزيز سياسات الهجرة الصارمة، محذرين من تكرار أخطاء الماضي ومطالبين بتعزيز حماية الحدود.

- في إسبانيا، واجهت الحكومة انتقادات من اليمين الأوروبي، مما أثار نقاشاً حول سياسات الهجرة وفشل "الحدود المفتوحة"، مع طرح القيود المشددة كحل لحماية الدولة الوطنية.

جاءت أزمة الهجرة إلى سبتة في توقيت حساس قبل الانتخابات السويدية

حزب ديموقراطيي السويد كان أسرع من وظّف أزمة الهجرة إلى سبتة

تحولت أزمة تدفق آلاف المهاجرين نحو جيب سبتة الإسباني من قضية حدودية إلى مادة سياسية استثمرتها أحزاب اليمين القومي في أوروبا، لإعادة ملف الهجرة إلى صدارة النقاش العام. وبينما حاولت مدريد احتواء الأزمة ميدانياً، قدمت قوى اليمين ما حدث باعتباره دليلاً على فشل سياسات الهجرة الأوروبية، وسعت إلى ربطه بمخاوف أمنية وثقافية لدى قطاعات من الناخبين.

ولم يبقَ الخطاب محصوراً داخل أوروبا، إذ وجد دعماً من شخصيات بارزة في المعسكر المحافظ الأميركي ووسائل إعلام قريبة من اليمين، ما منح الرواية المناهضة للهجرة بعداً عابراً للأطلسي، خصوصاً مع عودة إدارة دونالد ترامب، إلى تبني خطاب أكثر تشدداً بشأن الحدود والهجرة.  

السويد... استدعاء شبح 2015

في السويد، جاءت أزمة سبتة في توقيت سياسي حساس قبل حوالي شهر من الانتخابات العامة، لتعيد الهجرة إلى قلب المنافسة الانتخابية؛ إذ استغل رئيس الوزراء أولف كريسترسون المشاهد القادمة من الحدود الإسبانية لمهاجمة خصومه الاجتماعيين الديمقراطيين، محذراً من تكرار ما وصفه بـ"خطأ 2015"، عندما استقبلت السويد أكثر من 160 ألف لاجئ خلال فترة قصيرة.

يرى منتقدو اليمين السويدي أنه يستثمر الأزمات الحدودية لتغذية المخاوف، متجاهلاً عوامل أخرى مثل حاجة الاقتصاد السويدي إلى العمالة الأجنبية

أمّا حزب ديمقراطيي السويد، اليميني القومي الشعبوي، فكان أسرع من وظّف الأزمة؛ حيث أكد زعيمه جيمي أوكيسون أن أحداث سبتة تثبت "ضرورة تشديد الرقابة على الحدود وتقليص أعداد المهاجرين"، محاولاً تعزيز رواية حزبه الذي كان أول المُحذرين من تداعيات الهجرة الواسعة، خصوصاً بعدما تحوّل في خلال السنوات الأخيرة، من قوة هامشية إلى لاعب أساسي في السياسة السويدية، وأصبحت مواقفه المتشددة بشأن الهجرة جزءاً من النقاش العام، بل تبنت أحزاب تقليدية عدة سياسات أكثر صرامة تحت ضغط صعوده.

وفي هذا الصدد، يرى منتقدو اليمين السويدي أن هذه القوى تستثمر الأزمات الحدودية لتغذية المخاوف وتحويل أحداث استثنائية إلى دليل عام على فشل الهجرة، متجاهلة عوامل أخرى مثل حاجة الاقتصاد السويدي إلى العمالة الأجنبية والتحديات الديمغرافية. 

الدنمارك... سباق على التشدد

استغلال أزمة سبتة انسحب أيضاً على الدنمارك، حيث تحوّلت فيه إلى منافسة يتبارز عليها من يقدّم سياسة الهجرة الأكثر صرامة. وفي هذا السياق، دعت رئيسة الحكومة ميتا فريدركسن، بالتعاون مع نظيرتها الإيطالية جورجيا ميلوني، إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ودراسة خيارات إضافية في حال عدم قدرة النظام الحالي على مواجهة الضغوط.

أمّا حزب الشعب الدنماركي اليميني القومي فذهب أبعد من ذلك، إذ اعتبر رئيسه مورتن ميسرشميت أن الأزمة تؤكد صحة تحذيرات اليمين بشأن ما يسميه "فشل سياسة الهجرة الأوروبية"، مطالباً بإجراءات أكثر صرامة تجاه الدول التي لا تضمن حماية الحدود الخارجية للاتحاد.

المواقف الآنفة، أتت في سياقٍ أوسع شهد انتقال جزء كبير من أفكار اليمين الشعبوي إلى التيار السياسي الرئيسي في الدنمارك، بحسب اتهامات اليسار. فبعد سنوات من هيمنة حزب الشعب على خطاب الهجرة، أصبحت الأحزاب الكبرى في يمين-الوسط وبعض يسار-الوسط نفسها تتبنى سياسات أكثر تشدداً، وبات الخلاف يدور غالباً حول درجة الصرامة وليس حول مبدأ التشدد. 

ألمانيا... الهجرة لزيادة الشعبية

على المقلب الآخر، استغل حزب البديل من أجل ألمانيا الصور القادمة من سبتة لتعزيز خطابه التقليدي ضد الهجرة، معتبراً أن الأزمة دليل جديد على ضعف حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وربط الحزب بين الهجرة وقضايا الأمن والهوية والضغط على الخدمات العامة، محاولاً تقديم نفسه باعتباره القوة التي تواجه ما يسميه "فقدان السيطرة" على الحدود.
وقد استفاد الحزب خلال السنوات الماضية من أزمات متتالية، بدءاً من موجة اللجوء عام 2015، وصولاً إلى الجدل حول الاندماج والجريمة، كما استغل هجوم برلين الأخير على مسيرة للمثليين للتحريض على المهاجرين. أمّا خصومه السياسيين فحذروا من استخدام أحداث استثنائية لتغذية الاستقطاب، مؤكدين أن إدارة الهجرة تحتاج إلى تعاون أوروبي يجمع بين حماية الحدود وتسريع إجراءات اللجوء ومكافحة شبكات التهريب. 

استغل حزب البديل من أجل ألمانيا الصور القادمة من سبتة لتعزيز خطابه التقليدي ضد الهجرة

سانشيز... خصم اليمين الغربي

أزمة سبتة لم تأتِ منعزلة عن الصراع السياسي حول رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي أصبح أحد أبرز خصوم اليمين الأوروبي. فانتقادات اليمين الموجهة ضده لا ترتبط فقط بسياسة الهجرة، بل أيضاً بمواقفه من الحرب على غزة، وانتقاداته لترامب، ورفضه زيادة الإنفاق الدفاعي وفق المطالب الأميركية، إضافة إلى علاقاته الاقتصادية مع الصين.

وفي هذا الصدد، سارع قادة اليمين إلى تحميل حكومة سانشيز مسؤولية الأزمة. فقد اعتبر رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا أن حكومته "فتحت أبواب أوروبا"، بينما رأى زعيم الكتلة المحافظة في البرلمان الأوروبي مانفريد فيبر أن ما حدث كانت نتيجة مباشرة لسياسة الهجرة الإسبانية. أمّا حزب فوكس (بوكس) الإسباني، فاستغل الأزمة لتعزيز حملته ضد الحكومة الاشتراكية.  

الأزمات الحدودية تُقدَّم من المعسكر الشعبوي باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسات "الحدود المفتوحة"

واشنطن تدعم رواية اليمين

سردية اليمين وخطابه ضد الهجرة لم يبقَ منحصراً في أوروبا، إذ استغلته شخصيات من المعسكر المحافظ الأميركي لتعزيز مواقفها من مسألة الهجرة؛ فقد ربط مسؤولون وشخصيات مؤيدة لترامب أزمة سبتة بما يصفونه بفشل "سياسات الهجرة الجماعية"، مستعرضين سياسات إدارة ترامب الحدودية باعتبارها نموذجاً بديلاً.

وفي هذا الصدد، أوضح باحثون، وبينهم الباحث والكاتب الدنماركي جون غراوسغورد في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أن ما يجمع هذه القوى هو تشابه في الرواية أكثر من كونه تحالفاً تنظيمياً. وفي المقابل، شدد الحقوقي الدنماركي هليا راتز في حديث مع "العربي الجديد" على أن الأزمات الحدودية تُقدَّم من المعسكر الشعبوي باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسات "الحدود المفتوحة"، بينما تُطرح القيود المشددة على الهجرة واللجوء باعتبارها الحل الوحيد لحماية الدولة الوطنية.  

حرب أرقام الهجرة وصورها

وترفض مدريد تصوير إسبانيا باعتبارها نقطة الضعف الرئيسية في الحدود الأوروبية، مستندة إلى بيانات وكالة فرونتكس التي تظهر أن طرق الهجرة غير النظامية الرئيسية تمر أيضاً عبر إيطاليا واليونان. ويرى باحثون دنماركيون أن أهمية أزمة سبتة لم تأتِ فقط من حجمها، بل من قدرتها الرمزية؛ فالصور الدرامية للتدفق الجماعي أصبحت أكثر تأثيراً من الأرقام نفسها، لأنها انسجمت مع رواية سياسية جاهزة لدى اليمين الأوروبي.