"يا مصر بتعمليها إزاي؟"

12 مايو 2026

(إيدل رودريغز)

+ الخط -

لا أعرف كم مرّةً سمعتُ هذا المقطع من إعلان بنك مصر، خصوصاً جملة بهاء سلطان. سهلة، محبّبة، تدخل القلب، وصوت بهاء فعلاً سلطان، لكنّ ذلك كلّه ليس مبرّراً لـ"دندنة" مقطع من إعلان تلفزيوني أكثر من ألف مرّة في اليوم. ما الذي يحدث بالضبط؟
فجأة يخبرنا إعلام الإمارات أنّ مقاتلات مصرية هناك، وأنّ جنوداً مصريين هناك، حتى عبد الفتّاح السيسي نفسه هناك، يقف وتُلتقَط له صورٌ مع نظيره الإماراتي وسط جنودنا، ثمّ تُسوَّق في مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار: "لن ترونا إلّا معاً"، وكأنّ أحدهم لا يكتفي بهذا الفعل، بل يريد إذلال قدرتك على إنكاره. هذه هي إمارات "خدني زيارة لتل أبيب"، ونحن معها، "وإذا كان عاجبك يا ابن الكلب".
يستنكر المصريون في مواقع التواصل أنّ أحداً لم يعرض الأمر على ما يسمّونه "مجلس النواب" أو غيره من "مؤسّسات الدولة"، ويتساءلون عن دلالة وجودنا في البلد العربي (ربّما الوحيد) الذي تحميه أنظمة دفاع جوّي إسرائيلية، مع وجود طواقم إسرائيلية للتشغيل والدعم الفنّي، ومع احتمالات أشارت إليها تقارير (لم تنفها الإمارات بما يكفي) عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية، ومئات الجنود الإسرائيليين، وانتشار عملياتي مباشر. فماذا يفعل الجنود المصريون هناك؟ ولماذا لم تعلن مصر الرسمية شيئاً؟ لماذا عرفنا الخبر من المنصّات الإماراتية؟ ولماذا رأينا صور جنودنا في تلك المنصّات؟ ولماذا انطلقت وسومُ المكايدة من هناك؟ ولماذا تصرّفت الدولة المصرية بنفسية "اللي عامل عملة"، وحين تحدّثت (عبر لجانها) قالت إنّ الإيرانيين بخير، وهم مبسوطون، ومرحّبون بالوجود المصري في الإمارات؟
لا تحتاج هذه الأسئلة إلى إجابات، فهي إجابات، ما يحتاج إلى إجابة هو سؤال الدهشة: لماذا نندهش؟ لماذا ننتظر شيئاً آخر غير صورة السيسي في الإمارات؟ لماذا لم نفهم بعد "كامب ديفيد"؟ ولماذا لم نفهم بعد معنى ما يسمّونه "السلام" مع العدو؟ ولماذا لم نفهم موقف النظام المصري في حرب إبادة غزّة؟ ولماذا لم نفهم أسباب فشل "الربيع العربي" الإقليمية والدولية؟ ولماذا نتعامل مع كلّ واقعة باعتبارها استثناءً، بينما هي حلقات متّصلة يسلّم بعضها بعضاً؟
لا تُخفي الدولة المصرية موقعها، نحن من يواصل التفاوض مع الواضح. كلّ شيء يُقال لنا تقريباً، بالمواقف، وبالتحالفات، وبالخرائط، وبالصور، لكنّنا لا نستقبل الرسالة كما هي، بل كما نتمنّاها، ولهذا يبدو الغضب المصري في مواقع التواصل أقرب إلى غضب العاشق الذي فاجأته الخيانة للمرّة الألف، على الرغم من أنّ كلّ شيء كان مُعلَناً وواضحاً وفجّاً… و"على عينك يا تاجر".
يستقبل السيسي، بعد ذلك بأيّام، نظيره الفرنسي، ويذهبان إلى الإسكندرية لالتقاط صور، أغلبها مُعدَّلٌ بالذكاء الاصطناعي. مدينة تُغلق، وشوارع تُفرغ، وكمائن تُنصب، ومئات من "المشاغبين المحتملين" يُقبض عليهم احتياطياً، وتُحزَّم البلد طولاً وعرضاً حتى نستطيع التقاط صورة "الخواجة" وهو يجري (آمناً) على أسفلت "سيدي بشر". مشهد لا يستطيع رئيس فرنسي أداءه في بلاده، لأنّ أحداً لن يسمح له هناك بتوقيف حياة الناس من أجل صورة، لكنّه يفعلها في مصر في نطاعة استعمارية لا تبتعد كثيراً من مشهد الإمارات، وإن اختلفا في الدرجة.
افتحْ قوساً، وضع عشرات الصور والمواقف والتصريحات والفيديوهات التي تقول لك بوضوح: "لن ترونا إلّا معاً"، مع العدو، ومع حلفائه، ومع أدواته، وفي خدمة مزاجه الاستعماري، ثمّ أغلق القوس، وافتح الكادر على اتساعه، وسترانا، نحن المصريين، ننتظر شيئاً آخر، ونتوقّع شيئاً آخر، ونصدّق حين يخبروننا بشيء آخر أنّ ثمّة شيئاً آخر (!).
هنا يبدو وجه السؤال الآخر: "يا مصر بتعمليها إزاي؟"، فهو ليس سؤالاً احتفائياً بقدرة المصريين على النجاة وسط خرائب أنظمتهم فحسب، بل بقدرتنا على "تمصير المأساة"… كيف نُهزم ونغنّي؟، كيف نُهان ونصفّق؟، كيف نرى الصورة واضحةً إلى هذا الحدّ، ثمّ نقنع أنفسنا في كلّ مرّة أنّ هناك صورة أخرى، وأنّ هناك مصر أخرى، وأنّ هناك أملاً؟
... ثمّة أمل، ولكن ليس هناك.

3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان
محمد طلبة رضوان