هذا العدوان الإيراني على دول الخليج العربية

07 مارس 2026   |  آخر تحديث: 02:09 (توقيت القدس)

دخان يتصاعد من ميناء زايد في أبو ظبي بعد استهداف إيراني (1/3/2026 فرانس برس)

+ الخط -

جاء مفاجئاً عدوان إيران على دول مجلس التعاون الخليجي. وبرّرته طهران بتوجيه ضربات إلى القواعد الأميركية في هذه البلدان، لكن الواقع يكذّب هذه الحجّة، فقد سقط كثيرٌ من الصواريخ والمسيَّرات على مناطق مأهولة، وأصاب بعضها مؤسّسات مدنية مثل المطارات والموانئ والمناطق الصناعية والمصافي ومنصّات إنتاج النفط والغاز، ولم تفرّق إيران بين مَن كانت تعدّه صديقاً لها ومَن يقف في صفّ أعدائها. حتى سلطنة عُمان التي استضافت مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، وقامت بدور وساطة استمر حتى قبل ساعات من بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي، لم تسلم من الضربات، وتعرّض أحد موانئها لاعتداء في اليوم الثاني، وكذلك الأمر في ما يخص دولة قطر، التي سبق لطهران أنْ قصفتها في حرب الـ12 يوماً الصيف الماضي، من دون مراعاة ما بذلته الدوحة من جهد لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب لتبريد الموقف، وفتح قنوات حوار، وقد لعبت دبلوماسيتها دوراً مهماً في نقل رسائل بين طهران وواشنطن، ونجحت في أكثر من مناسبة في نزع فتيل التوتر. ثم إن ما قامت به السعودية من أجل المصالحة مع إيران يشكّل درساً في الحرص على العلاقات الثنائية، وتجاوز الخلافات، والتعالي على الحساسيات لتجنيب المنطقة نزاعات تضر بدولها وشعوبها، وما بدر من إيران من أعمال عدائية لم يأخذ في الحسبان تلك المواقف كلّها القائمة على احترام قواعد حسن الجوار. وعلاوة على ذلك، يُعدّ التصرّف الإيراني انتهازياً واستنسابياً، لأنه فرَّق بين الدول التي تستقبل قواعد أميركية، فركّز على بلدان الخليج، ولم يركّز على استهداف دول أخرى تستقبل قواعد أميركية مثل تركيا وبعض دول آسيا الوسطى، ومنها أذربيجان التي لا تخفي تعاونها العسكري والسياسي مع إسرائيل. وتزعم طهران أن هدفها من الاعتداءات على المرافق الخليجية رفع كلفة الحرب، والضغط بالنار على هذه الدول، للتدخّل لدى إدارة ترامب من أجل وقف الحرب، في وقت زرعت خلايا تجسّس وتخريب داخل بعضها كما حصل في الدوحة.

لو أن القواعد الأميركية الموجودة في بعض دول الخليج كانت منطلقاً للحرب على إيران، لأصبح قبول الحجج الإيرانية أسهل، ولكن الضربات العسكرية انطلقت من إسرائيل ومن حاملات الطائرات الأميركية المنتشرة في أعالي البحار. وقد راعت دول المجلس هذا الاعتبار، وكثّفت اتصالاتها مع واشنطن لتحييد أراضيها ومياهها، وكانت منتبهة إلى أن هناك أطرافاً، غير إيران، لها مصلحة في جرّ دول الخليج إلى الانخراط في الحرب، ومنها إسرائيل. ولا يبدو مجلس التعاون الخليجي غافلاً عن ذلك، ولذلك تجنّب التصعيد، ولم يردّ على الاستفزازات، وأبدى وحدةً في الموقف بدعم من مصر وسورية والأردن لتجاوز هذا التحدّي الكبير الذي يواجه منطقة الخليج، والمرشَّح أن يشهد تطوّرات خطيرة جداً في المرحلة المقبلة.

تقع على قادة الخليج مسؤولية تاريخية في ألا يتصرّفوا من موقع ردّات الفعل العاطفية القصيرة النفس، فينجرّوا إلى الردّ على الصواريخ بالصواريخ، لأن من شأن هذا أن يزيد المنطقة اشتعالاً، ولن يقف عند حدود النزاع الحالي، ويمكنه أن يتّسع ويطول أمده، ليستهلك قدرات الطرفين معاً، وسيجد أطرافاً خارجيةً تغذّيه كي تستثمره في سبيل مصالحها، كما حصل خلال الحرب العراقية الإيرانية التي تحوّلت إلى سوق دولي للسلاح، استهلك ثروات المنطقة قرابة عقد، وانتهى إلى إضعاف البلدَين. والمطلوب من قادة دول مجلس التعاون أن يتحلّوا بالحكمة، وتعزيز الموقف الداخلي، وتصليب الجبهة الداخلية، للحدّ من أخطار هذه الحرب على بلدانهم، وتجنيبها الانجرار إليها، مهما كانت الأسباب، فهي ليست حربهم تحت أي ظرف كان.

شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
بشير البكر
بشير البكر كاتب وشاعر سوري من أسرة "العربي الجديد" ورئيس تحرير سابق
بشير البكر