نحن وأوكاموتو والثورة العالمية

29 يوليو 2026

لوحظ عدم اهتمام وسائل الإعلام العالمية بخبر رحيل كوزو أوكاموتو، آخر رجال منظمة الجيش الأحمر الياباني الداعين إلى إشعال ثورة عالمية تطيح الحكومات القائمة، وتقيم "أممية" العدل والحرية المساواة، ولعلها اعتبرته خبراً ميتاً، خصوصاً وأن هذه المنظمة كانت قد حلّت نفسها على لسان مؤسستها وزعيمتها توساكو شيغينويو في إبريل/ نيسان 2022. ولوحظ أيضا أن صحفاً وفضائياتٍ نشرت الخبر من دون إفاضة أو تفصيل لما وراء الخبر نفسه احتارت في تحديد اسم المناضل الأممي الأخير، والذي يحمل أسماء عدة، فهو في السجلات الرسمية اليابانية كوزو أوكاموتو، ويطلق عليه رفاقه في "الجيش الأحمر" اسم دايسوكي نامبا، أما نحن العرب فقد عرفناه باسم "أحمد الياباني"، الذي أطلقته عليه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد مشاركته مع آخريْن في "الجيش الأحمر" في عملية مطار اللد التي قتل فيها 26 إسرائيليا، والتي كانت حصيلة تنسيق وتعاون بين الجيش الأحمر والجبهة. ومع تعدّد الأسماء، ظلت مهنته واحدة "مناضلا ثوريا أمميا"، صنعها لنفسه انطلاقا من العقيدة التي حملها في عقله وقلبه، ولم يتنازل عنها حتى مع حلّ "الجيش الأحمر" وإنهاء عملياته، وقد ظل صامداً واثقاً من أنه إذا ما قدّر له أن يموت، فسوف يتحوّل إلى "نجم في السماء يضيء لشباب العالم الطريق الذي يقود إلى الثورة العالمية"، على حد ما قاله أمام القاضي الإسرائيلي، وهو مقيّد اليديْن والرجليْن، وقد حكم بالسجن المؤبد نتيجة هذا، وقضى هناك 13 عاما قبل أن يفرج عنه في عملية تبادل أسرى بين إسرائيل وفصائل فلسطينية.

كان أوكاموتو غاضبا من قرار الحل، وبخاصة بعد الاعتذار الذي قدمته شيغينوبو إلى "أناس لم نكن نعرفهم، وقد عانوا بسببنا من آلام صعبة"، واعتبر القرار تراجعاً عن العمليات الثورية للجيش الأحمر في غير ما مكان من العالم، واعترافا ضمنيا بخطئها. أشعر هذا كله أوكاموتو بالخيبة، وهو في مخيم اللجوء، ولازمه حزن عميق جعله ينكفئ على نفسه، وقال قريبون منه إنه كان يرفض أن يقابل أحداً، وكانت متعته الوحيدة مشاهدة الرسوم المتحركة مثل "توم أند جيري"، إلى جانب عنايته بقطّتين اعتاد رعايتهما منذ التحق بالمخيم، وكان لا يأكل إلا القليل، مكتفيا بشرب القهوة، وتناول بعض الحلوى.

 رحيل المناضل الياباني كوزو أوكاموتو هو، بطريقة ما، نهاية لـ "أممية" الجيش الأحمر التي بشّرت بقيام "ثورة عالمية" تحقق المساواة والعدل والحرية لكل مواطنيها

وفي النهاية، قُدّر لأوكاموتو أن يموت على أرض عربية، وهو الذي قال أكثر من مرّة إنه يشعر بالفخر لعلاقته بالعرب، وتبنّيه قضية فلسطين العادلة. وكان، ساعة وفاته، مقيما في مخيم فلسطيني في منطقة البقاع في لبنان بعد حصوله على اللجوء نتيجة ضغوط إقليمية ودولية، وهو حتى تلك الساعة كان مطلوبا من سلطات بلده اليابان، وملاحقاً من الولايات المتحدة التي عدّته إرهابيا، ورصدت خمسة ملايين دولار جائزة لمن يقدّم معلومات تقود إلى اعتقاله، وقد مثل رحيله نهاية لـ "أممية" الجيش الأحمر التي بشّرت بقيام "ثورة عالمية" تسقط الأنظمة في بلدان العالم، وتحقق المساواة والعدل والحرية لكل مواطنيها.

ذلك كله كان مدعاة لوقوفنا في حينه مع مناضلي الجيش الأحمر، وقد رأينا فيهم، ونحن في سياق صراعنا مع العدو الصهيوني، لحظة تاريخية مضيئة وانتصاراً لنا ولقضيتنا، ووجدنا في "منجزاتهم" ما يعزّز آمالنا، ويصعد من أحلامنا في أن نعمل على تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، ثم نسقط حكوماتنا الموالية للغرب، ونشعل "الثورة العالمية" في كل مكان.

لكننا، وقد خبرنا تجارب عديدة، لم نعد نرى فيها اليوم أكثر من كونها أفكاراً "طوباوية" لا تملك صلة بالواقع المعيش، وإنْ ظل فريق منا متمسّكاً بها على النحو الذي عبّر عنه بيان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في رثاء المناضل الأممي الأخير، في تمسّكها بما وصفته "نهج النضال الأممي" الذي مثّله أوكاموتو الذي ظل حالماً بالثورة العالمية حتى ساعة رحيله. ونعترف بمرارة أن تلك الأوهام التي تلبّستنا زمناً قادتنا إلى ما هو ماثل أمامنا اليوم، وجعلتنا ننكفئ على خيباتنا المتكرّرة، ولا همّ لنا سوى أن نفعل كما فعل أوكاموتو بعد خيبته التي أبى الاعتراف بها، أن نتابع الرسوم المتحرّكة، ونعتني بفصيل من القطط والكلاب، ونشرب القهوة، وننتظر الأخبار العاجلة على مضض.

583FA63D-7FE6-4F72-ACDD-59AE85C682EB
عبد اللطيف السعدون

كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا، شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي" وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"