مُبحرون إلى غزّة
سفن من أسطول الصمود العالمي تتجه من برشلونة إلى غزّة (31/8/2025 Getty)
كتبتُ في مقالٍ سابق أنّ حملة التضامن الأممية الراهنة مع سكّان قطاع غزة، ومع الشعب الفلسطيني، في وجه البربرية الصهيونية التي تتجلّى في ممارسات القتل والتدمير والتهجير والتجويع واحتلال الأراضي، تذكّرنا بحملات التضامن مع الشعب الفيتنامي في نضاله ضد محتلّي أرضه الأميركان، التي شهدتها السنوات الأولى من عقد السبعينيات الماضية، التي عاصرها الجيل الذي ننتمي إليه.
تحملنا حملة التضامن مع غزّة وفلسطين على استعادة الأيام والأسابيع الأولى التي تلت 7 أكتوبر (2023)، حين عملت الدعاية الصهيونية، مدعومةً من دوائر النفوذ الغربية، على شيطنة كلّ ما هو فلسطيني، وتلفيق اتهامات باطلة ضد المقاتلين الفلسطينيين الذين اقتحموا غلاف غزّة، إلى درجةٍ حملت بعضاً على القول إنّ ما قامت به "حماس" يومها ألحق بالقضية الفلسطينية من الضرر أكثر مما عاد عليها بالنفع، لكننا اليوم إزاء حالٍ نقيضة تماماً. ها هو العالم ينتصر لغزّة، فيما يشبه صحوة الضمير، بعد أن بلغ التغوّل الصهيوني حدوداً فاقت الخيال، ما حمل حكوماتٍ غربيةً معروفة بدعمها اللامحدود لإسرائيل بالتظاهر بمراجعة بعض سياساتها، تحت ضغط الرأي العام في بلدانها.
في هذا السياق، تأتي رحلة "أسطول الصمود العالمي" التي انطلقت في نهاية الشهر الماضي (أغسطس/ آب) من برشلونة إلى غزّة المنكوبة، وليست هذه المحاولة الأولى من مؤيدي القضية الفلسطينية للإبحار نحو غزّة، حيث توجّهت نحوها سفن أخرى سابقاً، ومنها "مادلين" التي أقلّت 12 ناشطاً من فرنسا وألمانيا والبرازيل وتركيا والسويد وإسبانيا وهولندا، واعترضتها قوات الاحتلال واعتقلت من فيها في 9 يونيو/ حزيران الماضي، وتلتها رحلة السفينة "حنظلة" التي انطلقت من إيطاليا في الشهر التالي، وعلى متنها نشطاء دوليون جرى اعتقالهم أيضاً، وحملت اسم حنظلة تيمّناً بالشخصية الكاريكاتيرية الشهيرة لناجي العلي. وحاول مشاركون في قافلة الصمود الوصول إلى معبر رفح لكسر الحصار، من دون أن ينجحوا، فجاءت فكرة تشكيل ائتلاف دولي مستقل من أفراد وخلفيات مختلفة، ونظّم "أسطول الصمود" لكسر الحصار الإسرائيلي وفضح ما يرتكبه المحتلون من فظائع.
يُعدّ هذا الأسطول أكبر مسعى بحري من نوعه، والأقوى في المغزى السياسي والإنساني في الوقوف مع غزّة وقضية فلسطين، إذ يضمّ أكثر من 50 سفينة، وقد يبلغ العدد 70 سفينة، محمّلة بالمساعدات، وقد انضمّت إلى الرحلة سفن أخرى من موانئ إيطاليا وتونس واليونان وغيرها، وينتسب المشاركون في الأسطول إلى أكثر من 44 دولة، ووصف أحد المشاركين في الرحلة، الناشط البرازيلي تياغو أفيلا، الرحلة بأنّها "أكبر مهمّة تضامنية في التاريخ".
وبين المشاركين سياسيون وفنانون وإعلاميون وناشطون، منهم الناشطة المناخية السويدية غريتا ثونبرغ، وانضمّت إلى الرحلة وفود من أميركا اللاتينية: المكسيك، كولومبيا والبرازيل، فضلاً عن الولايات المتحدة؛ حارس الكيان الصهيوني والداعم الأكبر لعدوانه، وبالإضافة إلى الاعتبارات اللوجستية، فإنّ برشلونة، بهذه الرحلة، تجاوزت كونها مجرّد ميناء بحري لتغدو منصةً سياسية ومعنوية بعثت إلى العالم رسالة مفادها بأنّ التضامن مع غزّة يتجذر في قلب شعوب أوروبا وغيرها من القارّات.
ما له دلالة في هذا السياق المشاركة الخليجية في الرحلة من خلال "سفينة الصمود الخليجية"، وعلى متنها ناشطون من البحرين وقطر والكويت وعُمان. ووفق المكتب الإعلامي للسفينة الخليجية، شهدت حملة المشاركة "استجابة واسعة من الجماهير في دول الخليج العربية، من خلال المساهمات الشعبية والتبرّعات التي تم استيفاؤها خلال الفترة الماضية، واستمرّت التبرعات والمساهمات حتى موعد انطلاق السفينة".
تتجاوز رحلة هذا الأسطول كونها محاولةً مدنيةً منظّمة لكسر حصار غزّة، فهي، أيضاً، تطرح جانباً أخلاقياً مهمّاً بشأن الحصار نفسه ووحشية الأساليب المتبعة في فرضه، وحثّ المجتمع الدولي على تأدية دور أكبر وأكثر فعالية في دعم المدنيين هناك. ويتعيّن الوقوف عند البعد الأممي للرحلة، فتجمّع هذا العدد الكبير من السفن، وعلى متنها نشطاء من بلدان متعدّدة ومن خلفيات متنوّعة، يُعدّ تضامناً عابراً للحدود، يظهر ما باتت القضية الفلسطينية تمثله في الوجدان الإنساني ردّاً على وحشية الصهاينة؛ النسخة المحدّثة من النازية التي أدمنوا على ترويج أن أسلافهم ضحايا لها، مع أن ما يقترفه اليمين العنصري الحاكم في إسرائيل اليوم من جرائم ضد الفلسطينيين لا يقلّ وحشية.