من هم القراصنة؟
لا يكفي أن تلصق كلمة الحرية على مقدّمة سفينة عملاقة لكي تصف عملية قرصنة مكتملة الأركان والسمات بأنّها مبادرة إنسانية من أجل تحقيق الحرية لكلّ العالم، كما لا يكفي أن تجلب مجموعة من الأطفال وتخطب فيهم عن البطولة والفروسية والقيم الجميلة حتى ننسى أنّك دونالد ترامب، مثال الهمجية في التاريخ الحديث.
ليس ثمّة تعريف جامع مانع للقرصنة من ذلك النموذج العملي الذي نفّذه الرئيس الأميركي وقوّاته المسلحة في فنزويلا، ومحاولة تكرار التجربة نفسها في إيران. فهل هناك تعريف للقرصنة سوى تسيير الأساطيل عبر البحار للسطو على موارد وثروات دولة أخرى مستقلة، أو خطف رئيسها المُتمسّك باستقلال بلاده، كما جرى مع الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، أو قتل قائدها الأعلى ونخبتها السياسية كما جرى مع مرشد الثورة الإيرانية ورجاله؟
في الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة القادمة بأساطيلها الجوية والبحرية من أقصى غرب العالم على دولة وحضارة عريقة في الشرق لا تسمع في النقاش الدائر شيئاً عن شرعية هذا الحصار القانونية والأخلاقية، فيما يجري الجدال حول نجاح الحصار أو فشله، وحجم تأثيره على الموقف الإيراني التفاوضي، وكأنّ ثمّة إقراراً صامتاً بأنّ تحرّش الحملة الأميركية الصهيونية بإيران والمنطقة ليس خروجًا على القانون الدولي، بل إنّه يتم استبعاد القانون الدولي من موضوع النقاش تمامًا، والمعنى الوحيد هنا أنّ منطق ترامب هو الذي يسود: للقوي أن يفعل ما يشاء، وهو المنطق الفاسد الذي تكيّف معه العالم في جريمة فنزويلا فكان قابلًا للتطبيق على إيران.
عندما حاصر ترامب فنزويلا من البحر والجو قبل الانقضاض عليها وخطف زعيمها المُنتخب قال في بيان مُختصر: "فنزويلا محاطة بالكامل بأكبر أسطول حربي تمّ تجميعه على الإطلاق في تاريخ أميركا الجنوبية. هذا الأسطول سيزداد حجمًا فقط، والصدمة لهم ستكون غير مسبوقة حتى اللحظة التي يعيدون فيها للولايات المتحدة كلّ النفط، والأراضي، والممتلكات الأخرى التي سرقوها منا في الماضي". تحدّث كما لو كانت فنزويلا إمبراطورية شريرة تريد التوسّع على حساب الدول الأخرى، وكأنّه زعيم ثورة اشتراكية تنشد تقسيمًا عادلًا لثروات العالم، لكنه فور الانتهاء من جريمته ظهر وقحًا ومكشوف الوجه وهو يخاطب القوى الكبرى في العالم عارضًا عليها بعض فتات الجريمة "لدينا علاقات جيدة مع الرئيس الصيني وبيجين لن تكون عندها مشكلة مع عملية فنزويلا فستحصل على نفط... سنبيع نفط فنزويلا لروسيا والصين بكميات أفضل". هكذا قال القرصان الأكبر الذي يحاول غزو إيران تحت رايات الحرية الآن.
تتخذ المسألة طورًا أكثر عبثية عندما يبدأ الخطاب الرسمي الأميركي بتناول الوضع الراهن في المنطقة على أنّه عدوان إيراني على الشرق الأوسط والعالم، تتصدّى له واشنطن بوصفها راعية حركات التحرّر في كوكب الأرض. يقولها ترامب ووزير حربه وتُردّده أصوات قبيحة في جلسات التحليل التلفزيوني التي لا ترى في كلّ ما يفعله التحالف الأميركي الصهيوني في مياه الخليج أيّة قرصنة، لكنها تتهم إيران التي تتصدّى لمحاولة احتلال جزء من مياهها الإقليمية بأنّها تقوم بأعمال قرصنة في مضيق هرمز!
تخيّل، مثلاً، أنّ روسيا أو الصين حرّكت أساطيلها الحربية وفرضت حصارًا على قناة بنما، بزعم حمايتها من الولايات المتحدة الأميركية التي تهدّد أمن العالم بمحاولة السيطرة عليها. ماذا سيقول المحلّلون الترامبيون من العرب والعجم عن هذا الإجراء، هل سيصفونه بغير القرصنة؟
مشكلة إيران مع ترامب وحوارييه أنّها لم تسقط سريعاً مثل فنزويلا، وصمدت وخاضت معركة كرامة، فطار عقل الرجل حتى أُصيب بعطب في الإدراك والذاكرة إلى الحدّ الذي جعله يكرّر الخطاب نفسه، بالمفردات ذاتها تقريباً منذ شهرين "انتصرنا على إيران، قتلناهم جميعًا، دمّرنا جيشهم، قضينا على قوتها البحرية والجوية، أنهينا مشروعها النووي". هذا خطاب لا يصدر إلا عن بلطجي محترف مصدوم من أنّ أحدًا قرّر ألا يخاف، وأن يرد الضربة بالضربة.