من مواضيع الساعة
(سلفادور دالي)
قرّرتُ، عن سابق تعمّد وتصميم، وغيظٍ واستنكار، مقاطعةَ النقاش السنوي الدائر الذي بات تقليداً سخيفاً ومموَّهاً ومؤذياً، نواجهه في نهاية كل عام حول مشاركة المسيحيين في احتفالاتهم بعيد الميلاد. اكتفيتُ بإرسال معايداتٍ شخصية للصديقات والأصدقاء المحتفلين بعيدهم. احتفالهم حقٌّ قانوني وإنساني وديني، يكفله الدستور الأردني الذي ينصّ في مادَّته السادسة على أنّ "الأردنيين أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين".
وذلك بعد أن فاضت مواقع التواصل الاجتماعي بخطاب كراهية متعصّب ناشز، تبنّاه غير قليلين يستكثرون على مواطنين أردنيين أقحاح ممارسة طقوسهم وشعائرهم، والتعبير عن معتقداتهم، والاحتفال بأعيادهم. وقد سمح أصحاب هذا النهج الملتاث لأنفسهم بإصدار الأحكام المطلقة، وإرسال المختلف عنهم إلى الجحيم، ومنح من يوافقهم صكوك غفران تؤهّله دخولَ جنّات تجري من تحتها الأنهار. وواصلوا طوال موسم الأعياد بثّ طروحات كريهة منغلقة، من شأنها زرع الفتنة بين أفراد المجتمع الواحد، تحت وهم التفوق واحتكار الحقّ والحقيقة، في تكرار غبيّ لفكرة "شعب الله المختار" التي جرّت على المنطقة ويلاتٍ لم نخلص من تبعاتها رغم تعاقب الأزمنة.
وعليه؛ ورغبةً في الابتعاد عن هذا اللّغط، وتطبيقاً لفكرة أنّ السعادة تكمن في صرف الذهن، انهمكتُ في قراءة الرواية الجديدة للتركية الإنكليزية التي أعشقها، إليف شفق "هناك أنهار في السماء". أنهيتُ الرواية ذات الـ670 صفحةً في يومَيْن، والحقّ أنني لم أتمكن من تحديد موقف نهائي من العمل، رغم الإثارة والتشويق اللذَيْن طالما ميّزا أعمال شفق، وكذلك الجهد البحثي الكبير في الرواية التي تناولت أكثر من محور: ملحمة جلجامش وآثار نينوى، والإيزيدية ومعتقداتهم وطقوسهم ومعاناتهم، ولندن القديمة ونهر التمز (وليس التايمز كما نلفظه نحن العرب)، وغيرها من الثيمات التي قدّمت وجبةً معرفيةً دسمةً، ولكن على حساب جماليات وتقنيات الفنّ الروائي، كما أرى.
لا يمكن القول إنها رواية رديئة بالمطلق، لأنّ في ذلك إجحافاً كبيراً، ولكن يمكن أن نخلص إلى أن الرواية ليست بمستوى رواياتها السابقة. ولعلّ بعض الضعف والتكلّف يكتنفان النصّ الروائي، سيّما من حيث رسم بعض الشخصيات غير المُقنِعة فنّياً، مثل شخصية "زليخة" الإنكليزية ذات الأصول العراقية.
على صعيد آخر، اقترحتْ عليَّ صديقةٌ مشاهدة فيلم "الست" المعروض حالياً في دور السينما في عمّان بإقبال محدود، كما فهمت. ولكي تشجّعني على مرافقتها ومغادرة عزلتي التي أقمتُ فيها مختارةً، قالت: "عشان تكتبي عنه مقالك الجاي". قلت لها: "سأحضر الفيلم من باب الفضول"، ولا أظنّني سأتحمّس للكتابة عنه، لأنه لم يتبقَّ أحدٌ في الكوكب لم يتحدّث عنه؛ كُتبت فيه مئات المقالات، ونُشرت مقاطع الفيديو والمقابلات والمناظرات بين مؤيّد ورافض.
ورغم أنّني من سمّيعة أم كلثوم، فإنني لم أهتم يوماً بحياتها الشخصية التي لا تعنيني بالمرّة؛ كان يكفيني منها صوتها الشجي. أذكر أنني لم أحبَّ المسلسل الذي عُرض عام 1999، من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج إنعام محمد علي وتمثيل صابرين، لأنه قدّم شخصية أثيرية لا علاقة لها بالواقع: ملائكية، مفرطة في المثالية، امرأة خارقة لم ترتكب خطأً واحداً، ولم تمرّ بلحظة ضعف طوال حياتها، مثل بقيّة خلق الله. وهذا ما تجنّبه الفيلم (موضوع الجدل الدائر) كما عبّر محبّوه.
أمّا ما أثار استغرابي فعلاً فهو مناقشة بعض الإعلاميين وأصحاب قنوات في "يوتيوب" الفيلم، مع استهلال مقاطعهم بجملة: "لم أشاهد الفيلم بعد". على أيّ حال، يصعب الحكم وإبداء الرأي قبل مشاهدة العمل، من باب الإنصاف وتجنّباً للوقوع في فخّ الانحياز التأكيدي، ليس إلّا.