من قوة القيم إلى قيمة القوة... العالم كما يراه كارني

26 يناير 2026

رئيس وزراء كندا كارني يلقي خطاباً أمام المنتدى الاقتصادي في دافوس (20/1/2026 الأناضول)

+ الخط -

في كلمته أمام منتدى دافوس الاقتصادي، قدّم رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، رؤيته حول واقع النظام العالمي اليوم بصورة جريئة وثورية، نادراً ما تصدُر عن مسؤول رسمي في موقعه، وتحمل درجةً عاليةً من الأمانة والمسؤولية في توصيف التغيّرات التي أصابت النظام الدولي، والطريقة التي أصبح على الدول تكييف سياساتها الخارجية معها لتتلاءم مع الوقائع الجديدة. تصلح رؤية كارني للنظام الدولي أساساً مهمّاً لنقاشٍ، ليس في صناعة السياسات فحسب، بل حول جدل أكاديميّ مهمّ أيضاً يتعلّق بالتغيّرات التي ربما أصابت العلاقات بين الدول في الوقت الراهن. ويتميّز كارني من كثير من الرؤساء بأنه لا يأتي من خلفية حكومية وسياساتية فحسب، بل أكاديمية أيضاً، يحمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة أوكسفورد، والبكالوريوس من جامعة هارفارد.
يعترف كارني بأن قصّة النظام الدولي الليبرالي الذي يُطلق عليه "النظام القائم على القواعد" (rule-based order) كانت جزئياً زائفة، وبأنه لا يمكن لنا الاستمرار في العيش داخل كذبة؛ فنحن نعيش في عصر تنافس بين القوى الكبرى، عصرٍ يتراجع فيه النظام القائم على القواعد، إذ يفعل الأقوياء ما يستطيعون، ويضطر الضعفاء إلى تحمّل ما يُفرض عليهم. فالقوي يُعفي نفسه حين يناسبه ذلك، وقواعد التجارة تُطبّق على نحوٍ غير متماثل، كما أن القانون الدولي يُطبّق بصرامة متفاوتة تبعاً لهُويّة المتّهم أو الضحية.

يرى كارني أن النظام الدولي الليبرالي الذي يُطلق عليه "نظام القواعد" كان كذبة لا يمكن الاستمرار في العيش داخلها

وطالما أنّ النظام الدولي القائم على القواعد هو "كذبة"، يقدّم كارني تحليلاً عميقاً للقدرة التي استطاع بها هذا النظام المحافظة على نفسه هذا الوقت كلّه منذ انتهاء الحرب العالمية وحتى الآن، فيقول إنّ قوة النظام (أيّ نظام) لا تأتي من صدقه، بل من استعداد الجميع للتصرّف كما لو أنه صادق، أما هشاشته فتأتي من المصدر نفسه؛ فحين يتوقّف شخص واحد عن أداء الدور، يبدأ الوهم بالتصدّع. بمعنى أن الأعضاء في النظام، باستمرارهم في ممارسة الأدوار المتوقّعة منهم لتأكيد صدق النظام، يمنحون النظام القدرة على الحياة والاستمرارية. لكن هدم النظام لا يتطلّب بالضرورة قوةً خارجيةً لتقويضه، بل يكفي أن يتوقّف الأعضاء عن أداء الأدوار المتوقّعة منهم، وعندها تبدأ عملية تفكّك النظام.
يعترف كارني بوحشية هذا النظام وعدم رحمته الضعفاء، فيقول إنه إنْ لم تجد لنفسك مكاناً على الطاولة فسيكون موقعك على قائمة الطعام؛ بمعنى إمّا أن تجلس على الطاولة وتشارك في الأكل، أو تتحوّل إلى طعام يتناوله الآخرون. وهذا واقع مخيف للضعفاء على الساحة الدولية الذين لن يكون بمقدورهم دوماً تأمين مقعد على طاولة الطعام، ولن يكون القانون الدولي هو الذي ينظّم عملية الأكل على الطاولة، بل تحلّ محلّه قواعد يتّفق عليها الأقوياء فيما بينهم. ويشخّص كارني سلوك الدول، خصوصاً الضعيفة منها، في التعامل مع فظاظة هذا النظام، إذ يرى أن الدول تميل إلى المسايرة والتكيّف مع النظام وتجنّب المواجهة، وإلى الأمل بأن الامتثال والرضوخ قد يشتري لها الأمان، لكنّه يؤكّد أن هذا السلوك لن يحميها. فالدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها أو تزويد نفسها بالطاقة أو الدفاع عن نفسها، فإنّ خياراتها محدودة. وحين لا تعود القواعد تحميك، عليك أن تحمي نفسك بنفسك.
وللتكيّف مع الحقائق الجديدة التي أصبحت واضحة، وفي ظلّ انعدام القانون الدولي الذي ينظّم التعامل بين الدول، يعترف كارني بأنّنا (الإشارة هنا إلى بلده) لم نعد نعتمد على "قوّة قيمنا" فحسب، بل أيضاً على "قيمة قوّتنا". والفرق كبير بين التعبيرَين؛ فـ"قوّة قيمنا" تشير إلى القوة الناعمة المتمثّلة بالانسجام مع قواعد القانون الدولي والدفاع عنها أساساً لحماية الجميع، وهذا ليس غريباً على كندا التي وضعت لنفسها هدفاً تاريخياً بتمثيل قيم حقوق الإنسان والدفاع عنها (بغض النظر عن نجاحها أو إخفاقها في هذا المجال)، في حين أن "قيمة قوّتنا" تشير بوضوح إلى القوة الصلبة بأشكالها العسكرية والاقتصادية أساساً للحماية في النظام الدولي.
كارني على درجة كبيرة من الوضوح في توصيف انكشاف النظام الدولي؛ فيؤكّد في تصريح قد يراه بعضهم قراءةً متطرّفةً للنظام الدولي، أننا نعيش لحظة "قطيعة" (rupture) مع هذا النظام، وليس مجرّد "انتقال" (transition): "دعوني أكون مباشراً، نحن في خضمّ قطيعة، لا في مجرّد مرحلة انتقالية". وهنا الأهمية، فالانتقال هو تحوّل تدريجي في موازين القوة أو في شكل النظام الدولي، من دون انهيار كامل للقواعد والمؤسّسات الأساسية التي تنظّم العلاقات بين الدول، مثل صعود الصين داخل النظام الدولي القائم، والتكامل الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية. أما القطيعة فهي انكسار فجائي وعميق في النظام الدولي، إذ تفقد القواعد والمؤسّسات القائمة شرعيتها أو تنهار، مثل انهيار النظام الإمبراطوري بعد الحرب العالمية الأولى، وكذلك موجة تصفية وانحسار الاستعمار.

تحديد شكل البديل لنظام القواعد، أو "الكذبة" الكبيرة التي حافظنا عليها بفعل مشاركتنا فيها، قد يكون بحسب كارني، نظاماً أفضل وأكثر عدلاً

تاريخياً، لا يحدث انهيار مفاجئ للنظام الدولي بسهولة، إذ يستغرق ذلك عقوداً وربما قروناً حتى تحدث مثل هذه الظواهر، بمعنى أنّنا قد نكون (حسب رؤية كارني) إزاء لحظة تاريخية شبيهة بانهيار الحكم الملكي بعد الثورة الفرنسية التي أسقطت شرعية الملكيات المطلقة وأدخلت مبدأ سيادة الشعب والأمة في العلاقات الدولية، وبصلح ويستفاليا (1648) الذي أنهى حروب الثلاثين عاماً، وأطاحَ فكرةَ الإمبراطورية المسيحية الجامعة، وأسس النظام السيادي للدولة القومية.
وحتى لو لم يكن تشخيص كارني دقيقاً، فإن مجرّد اعتقاد مسؤول رسمي ومفكّر بهذا المستوى أنّنا إزاء قطيعة مع النظام الدولي القائم على القواعد، والتصريح بذلك من على منصّة دولية (دافوس)، يقدّم في حدّ ذاته مؤشّراً مقلقاً إلى الحالة التي يترنّح بها النظام الدولي الحالي، ولما سيكون لذلك من أثر على الدولة القومية، خصوصاً الضعيفة منها.
لقد قرع مارك كارني جدران الخزّان، وحذّر الجميع بأنّ العالم على شفا انهيار كبير، ودعا الآخرين قائلاً: "عندما لا تحميك القوانين عليك أن تحمي نفسك بنفسك". وقد فُهم كثيرٌ ممّا قيل في الخطاب على أنه انتقاد كبير للسلوك العدائي للإدارة الأميركية الحالية، فليس من المستغرب أن يقوم دونالد ترامب مباشرة بعد ذلك بسحب دعوته كارني إلى الانضمام إلى "مجلس السلام" الذي يعمل ترامب في تشكيله.
مع ذلك، يتركنا كارني في خطابه ببارقة أمل مفادها أنّ تحديد شكل البديل لنظام القواعد، أو "الكذبة" الكبيرة التي حافظنا عليها بفعل مشاركتنا فيها، قد يكون نظاماً أفضل وأكثر عدلاً، يستفيد من أخطاء الماضي، لكنّه يؤكّد أن الأمنيات وحدها لا تصنع البديل، فيقول: "نعرف أن النظام القديم لن يعود. لا ينبغي أن نبكيه. فالحنين ليس استراتيجية. لكن من الشقوق يمكن أن نبني نظاماً أفضل، أقوى، وأكثر عدلاً".

إبراهيم فريحات
إبراهيم فريحات
أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا وسابقاً في جامعتي جورجتاون وجورج واشنطن ومعهد بروكينجز. من مؤلفاته "وساطة الصراع في العالم العربي (جامعة سيركيوز- الولايات المتحدة 2023) و"إدارة صراع فوضوي" (جامعة أدنبرة في بريطانيا 2020) و"ثورات غير مكتملة" (جامعة ييل في الولايات المتحدة 2016).