مأساة بلا نهاية وخطر الانفجار في لبنان

08 ابريل 2026

شبّان يلعبون قرب خيام لنازحين لبنانيين في الواجهة البحرية لبيروت (2/4/2026 فرانس برس)

+ الخط -

لبنان بين نار الحرب الإسرائيلية وارتفاع منسوب القلق والمخاوف حيال استمراريتها في شهرها الثاني مع حزب الله، والمضي في تدمير البلدات الحدودية وتحويلها إلى أرض محروقة لمنع الأهالي من العودة إليها في مدى يصل بين أربعة إلى ثمانية كيلومترات، من دون تدخّل الولايات المتحدة لوقف القتل والتدمير الممنهج في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية (كلياً) بذريعة نزع سلاح الحزب. ويُطرح مصير الضمانات الدولية والعربية في منع إسرائيل من استهداف البنى التحتية، من مطار رفيق الحريري الدولي ومنشآت توليد الطاقة الكهربائية وشبكة الاتصالات، إلى الجسور والطرقات والمياه، وعمّا إذا كانت التطمينات سارية المفعول مع توسّع النطاق الجغرافي للضربات الإسرائيلية وتوسيع دائرة الإنذارات. في هذا الوقت، تبقى دعوة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى مفاوضات سلام مباشرة مع الكيان المحتل قائمة، لكنّها معلّقة على ما ستؤول إليه الحرب في الجبهة الإيرانية وحدود ربط أيّ تسوية إقليمية ممكنة مع وقف الحرب على لبنان.

تراجع السلطة سيكون أكثر كارثية ويهدّد البلاد المشتعلة أصلاً بالمشاكل، وفي طليعتها مشكلة النزوح

في الانتظار، تبدو الفرصة التي انطلقت بزخم سياسي كبير مع انتخاب عون رئيساً وتشكيل حكومة نواف سلام في بداية عام 2025، ومع تحرّر القادة الجدّد نسبياً من قبضة الأحزاب السياسية، والتعهّد بنزع السلاح غير الشرعي، وتوكيل الجيش اللبناني بمهمة نزع السلاح في جنوب الليطاني، كأنّها صارت فرصةً خجولةً. معاً، يملك الرئيسان وحكومة موثوقة عناصر المسؤولية والجديّة، وشرعوا في محاولة إخراج لبنان من الضائقة الاقتصادية والاجتماعية، وعلى نحوٍ أعمق محاولة تطبيق القوانين والدستور واستعادة الدولة جميع وظائفها السياسية، ولا سيّما في احتكار قرار الحرب والسلم. وهو الأمر الذي يقوّضه الحزب من خلال الاعتماد على قوة خارجية، بعد أن شنّ هجماته الصاروخية القوية على إسرائيل واستعاد عافيته بسرعة، ما يطلق العنان لبربرية إسرائيل وخططها للاستقرار في منطقة عازلة في جنوب لبنان، وهو ما يعني استمرارية حزب الله في العمل ضدّ الاحتلال في حرب تستمرّ وتستمر. وهو الأمر نفسه الذي سمح له، من عام 1982 إلى العام 2000، بالنمو وتشكيل جسم ثقيل في سردية مقاومة المحتل، وهو يستعيدها حالياً في بلد مثخن بجروح داخلية لم تلتئم، إذ يتحمّل المسؤولية باستدراج النسخة الثانية من مسرحية تغذّي المأساة اللبنانية بلا نهاية، بإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس "السيطرة والبقاء في لبنان لأشهر عديدة".
لا يمكن مطلقاً مساواة الحرب التي تشنّها دولة معادية بعدم السماح باستعادة لبنان سيادته، والتحدّث عن وقف أعمال التحرير من قوة احتلال. لكن إعلان الحزب بوضوح أنّه يعمل في خدمة الجمهورية الإسلامية التي زوّدته بقوة نيران متفوّقة على قوة الجيش اللبناني، ولا يطيع فيها الدولة اللبنانية، كما حصل في "7 أكتوبر" (2023)، يزيد من التمزّق الداخلي ويحبط برنامج نزع سلاحه، فيواصل لبنان انزلاقاته نحو الهاوية والجحيم معاً.
في هذا، يعلن الحزب انفصاله عن الدولة، وهو متجذّر في الواقع اللبناني مع نوابه ووزرائه، وقد طوّر شبكة واسعة من المساعدات الاجتماعية، متمسّكاً بهُويّة مزدوجة في مطالبته بتحمّل المسؤولية عن النازحين. وهي دولة بلا أدوات حرب ولا مال ومحاصرة بالنيران وبدبلوماسية مقفلة في إطار الترتيبات الصغيرة التي تسمح بها القواعد السياسية الداخلية ومداولات مجلس الوزراء ومواقف رئيس البرلمان نبيه برّي لإنقاذ الميثاقية التي تحكم عمل السلطة التنفيذية، على قاعدة عدم تراجع حكومة القاضي سلام عن قرار طرد السفير الإيراني محمّد رضا شيباني من لبنان، وهو الذي يتمتّع بسجل عمله في دمشق عام 2011 عندما تعلّق الأمر بمساعدة بلاده لبشّار الأسد في قمع الثورة السورية الناشئة. وحده هذا السجل كافٍ لسحب أوراق اعتماده بعد عقود من التدخّلات الإيرانية الصارخة. مع ذلك، فإنّ أيّ تراجع للسلطة سيكون أكثر كارثية ويهدّد البلاد المشتعلة أصلاً بالمشاكل، وفي طليعتها مشكلة النزوح.
هناك ما يقرب من مليون نازح بائس على الطرق وتحت الخيام، على مسافة تماس مع شوارع أخرى في بيروت تكتظّ بالسكّان الذين يعيشون يومياتهم العادية، وبأشكال من عنف اللامبالاة بعد تاريخ طويل من الغزوات الإسرائيلية على لبنان من 1978 إلى 2026. والتاريخ يعيد نفسه منذ خمسين عاماً، مع ما يصاحب ذلك من قصف وقتل ونزوح جماعي للسكّان وتدمير على ضفاف نهر الليطاني. وهذه المرّة بعيداً عن الشراكة في الهم، كأنّ البلد يعيش أزمةً عابرةً، وليس كارثةً وطنيةً كاملة الأركان في أحزمة بؤس تتّسع يوماً تلو الآخر. ويُستلهم من الحرب في غزّة أنّ مئات الآلاف الذين غادروا منازلهم لن تكون عودتهم مضمونة، ممّا يصعب على السلطة القدرة على معالجة ضغط ديموغرافي يحيط المناطق اللبنانية مع انسحاب الجيش من القرى الحدودية. ويمكن أن تسرّع "يونيفيل" انسحابها، وقد بدأت عملياً بسحب 30% من عناصرها قبل انتهاء ولايتها، ومع دخول البقاع الغربي تحت خطّ النار، ما يجعل الإجراءات الحكومية غير كافية لدرء تداعيات النزوح المأسوية اجتماعياً وأمنياً وإنسانياً.
واقع الحرب يمثّل ثقلاً كبيراً على اللبنانيين، وعلى مفاوضات السلام، ويُرخي بظلاله على نظرة اللبنانيين والمكوّنات الأخرى الرافضة للحرب، ولما يمثّله البعد العقائدي لحزب الله في حرب لا تعنيهم، ولا يهمهم تظهيرها وتسويقها في ما يريده الثنائي الشيعي، ولا سيّما أنّ الدولة العبرية مصمّمة على حرب طويلة، وعلى عدم احترام لبنان دولةً ذات سيادة قادرة على اتخاذ قرارات موحّدة، بل مساحات مجزّأة فيمكن التعامل مع الطوائف بشكل منفصل، كأن تكون الدولة مجرّد آلية تفاوض دبلوماسية قبل أن تكون سلطةً حاسمةً تفرض تناظراً للوصول إلى تسوية نهائية. قد لا يتعلّق الأمر بإنهاء الصراع، بل باستعادة الدولة الوظيفة الجوهرية لتكون جزءاً من التحوّلات الإقليمية، وتساهم الظروف في إعادة تشكيلها، وأن تفعل شيئاً لدرء حرب تقوّض جهود التعافي والإصلاح. كان من المقرّر إجراء انتخابات برلمانية في مايو/ أيار، لكن توقّف كلّ شيء، مع صعوبة التفكير حتى في إعادة بناء القرى الحدودية.

دعوة عون إلى مفاوضات مباشرة مع الكيان المحتل قائمة، لكنّها معلّقة على نتائج الحرب في إيران

وكانت فرنسا تستعدّ لاستضافة مؤتمر دولي في 5 مارس/ آذار لدعم الجيش، أحد المؤسّسات القليلة الموثوقة والعابرة للطوائف التي تلوّح اليوم بالعودة إلى ثكناتها العسكرية كما في السبعينيّات. لقد انقلب الوضع رأساً على عقب، ويقتصر العمل حالياً على معالجة قضايا النازحين والتعاون مع برنامج الغذاء العالمي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لبنان في وضع غير قادر على وقف الحرب، يفقد شيئاً فشيئاً القدرة على الصمود والتعافي، ومعها ثقة المجتمع الدولي والعربي. والدور الممكن للجيش عرضة للتشكيك والتنابذ المستمرّ بعيداً عن الواقع والممكن وفوق طاقته، بميزانية 1.5 مليار دولار مقابل 30 مليار دولار للجيش الإسرائيلي عدا الهبات والمساعدات الأميركية. والحلّ الذي اقترحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والجانب المصري لوقف إطلاق النار ومفاوضات مباشرة بشأن قضايا المديَين القصير والمتوسط ترفضه إسرائيل. وفي وقت يستعيد حزب الله بناء قدراته، يتعالى الصراخ الداخلي، والإعلام اللبناني ماضٍ في صناعة الوهم، وينفخ في الصور الذهنية الطائفية والمذهبية، ويوسّع أكثر من حجم المتاهة اللبنانية، إذ لا يقترح أفقاً للحلول وصيغاً فكرية جديدة، بل يزيد المرارة فوق التهجير والخراب وكثير من العجز السياسي وتهويمات القوة والسيادة المحلّية والصراخ والضجيج. الأولوية الآن هي الوحدة لمنع الانفجار في لبنان، واحتضان أيّ مبادرة إنقاذية لتخفيف الخسائر الإضافية وتعاظم المخاطر على بنيته وتركيبته الاجتماعية والسياسية. ولا إمكانية لبقائه محكوماً وفق الصيغة التي كان معمولاً بها بعد العام 1990، مع الإبقاء عليه في حالة استنزاف دائم. وهنا تكمن مأساة اللبنانيين في حياتهم واقتصادهم ومستقبلهم.

يقظان التقي
يقظان التقي
إعلامي وأكاديمي ومترجم لبناني، له عدد من الكتب، دكتوراة في الدبلوماسية والعلاقات الدولية.