لا وقت للبكاء في غزّة
تكتشف فعلاً أنّه لا وقت للبكاء في مكانٍ كلّ شيءٍ فيه حولك يدعوك إلى البكاء، ولكنّك لا تستطيع أن تقف لتستند حتى إلى عمود خيمة متهالك لتبكي. بل إنّك لا تجد الوقت لمسح دموعك وسيلان أنفك، لأنّ كلّ ما حولك، وباختصار، يدفعك إلى المضيّ كي تبقى حيّاً ما استطعت. أمّا إن توقفت، فأنت ميّت، ولن يلتفت إليك أحد. وربما حالفك الحظ بقريبٍ يحتضنك قليلاً، ثم يسلّمك إلى حفرتك الأخيرة في استسلام. والغريب أنّه سيمضي بدوره، ولن يجد وقتاً ليستقطع منه لحظات بكاء معلنة، بل سينتحب في قلبه، في دهاليز روحه، حتى يتشقّق وجهه المجهد الخالي من أي تعبير، إلى حدّ أن تتوقع أنّه سيسقط أرضاً في أيّ لحظة.
في بداية هذه المقتلة، رأيت مشهداً لا يمكن أن أنساه. كنّا نحاول الهروب للمرّة الأولى بعد قصف البناية التي نقطنها، حين سقط عمودٌ خرسانيّ ضخم فوق رأس طفلٍ صغير فهشّمه، كما تهشّم أسنانك قطعةً من البسكويت الهشّ وأنت تشاهد فيلمك المفضّل أمام شاشة التلفاز في ليلة شتوية. والغريب أنّ أمّ الطفل، وكانت على بُعد خطوات، رأت النهاية المفجعة لفلذة كبدها. ومع أنّها صرخت صرخة واحدة لا أكثر، فإنّ صاروخاً آخر هوى فوق البناية، فلاذت الأم بالفرار مع طفلين آخرين تمسك بكل واحدٍ منهما بقبضةٍ من حديد.
تعجبتُ كيف فكّرت الأم بالهرب ولم تتوقف! وأيقنتُ تماماً أنّه لا وقت للدموع والنحيب. فلو كان هذا الموقف في ظروفٍ مختلفة، بلا حربٍ ولا صواريخ موتٍ تهوي مثل المطر، لبكت تلك الأم قرب جسد طفلها الذي هشّمه العمود، ولانتَحبت حتى يملأ صوتها الفراغ، ولتجمّع الناس من كل حدبٍ وصوب على وقع الفجيعة. لكنّ أحداً لم يتوقف. وهذا أكثر ما يؤلمك في هذه المقتلة المستمرّة بلا هوادة، والتي دفعت الناس إلى الركض والفرار من مجهولٍ إلى مجهول. وكأنّ الوقت الذي يحتاجونه للبكاء وذرف الدموع أصبح مفقوداً، مثل كلّ الأشياء التي فقدوها في حياتهم: من بيوتهم، وفرشهم، وسقوف رؤوسهم، وطعامهم الساخن الشهي، وطوابير مدرسة أطفالهم، ومحالّ عملهم، ومصدر رزقهم.
أذكر أنّ أمّي قالت لي ذات يوم بعيد: لا يشعر الإنسان بالألم مباشرةً، حتى لو أصيب بطلقٍ ناري، لأنّ الوجع يكون ساخناً، ثمّ بعد مرور الوقت يبدأ في الشعور بالألم المضاعف. ولذلك تذكرتُ تلك المرأة البدينة التي كانت تجلس أمام فرنٍ بلديّ في المخيّم. وبينما تحاول إسكات طفلها الباكي بين ذراعيها، كان صوت الرصاص يدوّي من بعيد، منبّئاً عن مطاردة الجنود لشبّان المخيّم قرب حدود المستوطنة. وبينما كانوا يلقون قنابل يدوية الصنع باتجاهها، كان الرصاص يطاردهم من كل صوب. وفجأة، مدّت المرأة البدينة يدها بطريقة آلية لا توصف، لتهرش ساقها ظنّاً منها أنّ حشرة لدغتها، لتكتشف أنّ رصاصة طائشة أصابتها وأنّ دماءها تنزف بغزارة.
أنظر كلّ لحظة إلى مشهد النازحين الموجوعين، فأرى في وجوههم صورة تلك المرأة التي لم تشعر بالألم في البداية، وظنّت الرصاصة مجرّد حشرة. وأتخيّل ماذا سيفعلون حين تتوقف الحرب ذات يوم، وحين يتوقفون عن الركض بحثاً عن اللقمة وشربة الماء، وهما أقسى ما يبحثون عنه، عدا الأمان الوهمي الذي جعلهم نازحين يتنقلون بين شمال القطاع وجنوبه، ومن شرقه إلى غربه. تخيّلت حالهم حين يتوقفون فجأة: كم من الدموع في تلك اللحظة سيذرفون؟ وأخشى أن تذهب عقولهم حين يفيقون ذات يوم على فجيعة الفقد الذاتي لكلّ واحدٍ منهم. أمّا الفجيعة الجماعية الكبرى فهي حين يكتشفون أنّ ما حلّ بهم غلّفه صمت طويل من العالم من حولهم، صمت لا يقل ثقلاً عن صمت القبور.