لأميركا 11 سبتمبر ولقطر 9 سبتمبر

13 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 02:57 (توقيت القدس)

دخان يتصاعد من مبنى في الدوحة بعد استهداف إسرائيلي قادة حماس (9/9/2025 فرانس برس)

+ الخط -

في أعقاب هجمات "11 سبتمبر" (2001)، وقفت الولايات المتحدة على عتبة تحوّل جذري في سياستها الخارجية. قال الرئيس جورج دبليو بوش في خطاب متلفز من المكتب البيضاوي: "أفعال الإرهاب تهشّم الفولاذ، لكنّها لا تستطيع أن تثني فولاذ عزيمة أميركا".

منذ تلك اللحظة، رفعت واشنطن راية "الحرب على الإرهاب" في كل مكان، وأعلنت أنّها ستلاحق كلّ من يشكّل تهديداً لها، وهو ما تجلّى في الحروب الممتدّة من أفغانستان إلى العراق وما بعدهما. بعد خمس سنوات، عاد بوش ليؤكّد أنّ الحرب لا تنتهي إلّا بهزيمة كلّ جماعة إرهابية لها امتداد عالمي. وفي مراجعة لاحقة، حاول باراك أوباما أن يخفّف من وقع هذا الإرث، فقال إن الحكومة الأميركية كثيراً ما اتّخذت قرارات بدافع الخوف، لا بدافع الرؤية المستقبلية، وأحياناً أخلّت بالمبادئ وكأنّها رفاهية لا يمكن تحمّلها.

يصلح هذا السياق الأميركي أن يكون نقطة قياس لما يمكن أن تفعله دولة قطر، ومعها دول الخليج، اليوم بعد العدوان الإسرائيلي على الدوحة، فالاعتداء ليس حادثة عابرة، إنّه امتداد لمسار طالما استهان بالعرب كلّهم، مطبّعين وغير مطبّعين. ومع استهداف إسرائيل أرضاً عربية خليجية، يتبيّن أنّ اليد الطولى للاحتلال لا تتردّد في استباحة السماء العربية حيث شاءت ومتى شاءت، بينما تواصل أميركا غضّ الطرف، مانحةً الغطاء في أكثر من ساحة.

الاعتداء الإسرائيلي على قطر ليس حادثة عابرة، إنّه امتداد لمسار طالما استهان بالعرب كلّهم، مطبّعين وغير مطبّعين

يمكن للعدوان الذي طاول الدوحة أن يشكّل منطلقاً تاريخياً لتغيير قواعد اللعبة، وتشكيل ما يمكن تسميتها قوّة خليجية عربية صلبة، قادرة على ردع أي اعتداء، وإعادة رسم جغرافيا المنطقة في ظلّ وجود كيان احتلالي لا يتورّع عن ممارسة العدوان. تمتلك قطر، ومعها دول الخليج كلّها، من عناصر القوة ما يجعلها مؤهلة لذلك؛ من الإمكانات الاقتصادية الهائلة، والقدرات العسكرية المتقدّمة، والتحالفات الدولية المتنوّعة، فضلاً عن الموقع الجغرافي الحيوي الذي يتحكّم في ممرّات الطاقة والاتصال العالمي. وإلى جانب ذلك، تملك هذه الدول عناصر قوى أخرى رسّخت حضورها العالمي، من استثمارات كبرى في مجالات الطاقة والتكنولوجيا، إلى قنوات إعلامية ذات تأثير واسع، ومبادرات تعليمية وثقافية تستقطب العقول والطاقات، فضلاً عن البعد الرياضي الذي جعل من الخليج مركزاً لأحداث عالمية كبرى تُسهم في صياغة صورة جديدة للمنطقة.

هذه الأدوات مجتمعة، إذا جُمعت في إطار سياسي وأمني موحّد، يمكن أن تُترجم إلى قوة ردع لا تقتصر على حماية الحدود، بل تفرض حضورها صوتاً مسموعاً في تقرير مصائر المنطقة. سيكون تشكيل هذه القوة بمثابة المنع الديمقراطي للكلمة في الفضاء الإقليمي: أي أن تُسمع كلمة العرب والخليجيين معاً، بقدرةٍ تفرض الاحترام، وتمنع الآخرين من الاستفراد بصناعة المشهد. بهذا فقط يمكن للأمن الخليجي أن يولد من جديد، عربياً، مشتركاً، ومحصّناً، في مواجهة تحدّيات عصرٍ تتكاثر فيه المخاطر.

ولعلّ ما حلم به عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "أم القرى" قبل أكثر من قرن، حين تخيّل اجتماعا يجمع العلماء والمفكّرين لبحث حال الأمة والنهوض بها، لا يختلف عن الحلم الذي يراودنا اليوم بأن تتولّى قطر، ومعها دول الخليج، دور المركز الجامع للعرب. وإذا كان الكواكبي قد صاغ حلمه في صورة مؤتمر رمزي يستشرف يقظة الأمة، فإنّ واقعنا المرير الراهن يضع بين أيدينا فرصة لتجسيد ذلك الحلم في صورة قوة عربية خليجية قادرة على فرض حضورها ووزنها العالمي، ليس بالقوة العسكرية فحسب، بل بما نملكه من بُعد حضاري، وثقل اقتصادي، وأدوات تأثير ناعمة، تجعل من العرب طرفاً فاعلاً في صناعة القرار الدولي، لا مجرّد ساحة لصراعات الآخرين.

جعفر العلوني
جعفر العلوني
شاعر وكاتب سوري مقيم في إسبانيا. من فريق عمل قسم الثقافة في موقع وصحيفة "العربي الجديد".