في مراسي… وفي الورّاق

04 اغسطس 2026

(محجوب بن بلة)

هل تذكر ما قيل عن لغة جسد عبد الفتّاح السيسي عند لقائه محمّد بن زايد، في مصر أو في الإمارات؟... انحناء الجذع، والميل إلى الأمام، وتقليص المسافة المكانية، وإطالة التواصل البصري المفعم بالحفاوة والتربيت، والتأخّر نصف خطوة أثناء المشي، على نحو ما حدث في العلمَين مثلاً.
وهي مؤشّرات بصرية فسّرها المعارضون وأهل الشرّ على أنّها تعكس غياب التكافؤ البروتوكولي، واختلال ميزان العلاقة بين المانح والمستفيد. وحاول آخرون الدفاع عن الرئيس بتفسير هذا الانحناء الزائد عن اللزوم بأنّه مجرّد "عادات قديمة" تدلّ على التواضع وكرم الضيافة والأخلاق الحميدة، وهو الرأي الذي ينبغي أن يتبنّاه كلَّ وطني يقف مع الوطن، وخلف الوطن، وخلف ضيوف الوطن.
لا بأس، هذه المناوشات لا ينبغي أن تشغلنا أو تخيفنا على مصر. مصر بخير، لكنّ المشكلة أنّ بعض أكثر الناس قرباً من السلطة، بحكم الانتماء الاجتماعي والاقتصادي إليها، هم أنفسهم من يعيدون إنتاج هذه الصورة، ويؤكّدون، من دون قصد طبعاً، دلالاتها السياسية التي يتداولها أهل الشرّ.
انتشرت في الأسابيع الماضية مقاطع مصوّرة لحنان الشعراوي التي عرفت إعلامياً بـ"سيدة مراسي". وتبيّن لاحقاً أنّها ابنة إحدى القيادات العسكرية القديمة. اشتكت السيّدة من الإجراءات التي تفرضها إدارة قرية مراسي التابعة لشركة إعمار الإماراتية التي تجعل المالك يشعر بأنّه غريب أو محاصر في ملكه الخاص. وقالت إنّ الخلاف وصل إلى حدّ اضطرارها لاستدعاء الشرطة المصرية. وكانت المفاجأة أنّ الإدارة الإماراتية منعت قوّات الشرطة المصرية من الدخول.
لم تنزعج قوّاتنا المصرية من منعها من دخول مراسي الإماراتية، فـ"من حكم في ماله ما ظلم"، لكنّها انزعجت جدّاً من إعلان سيّدة مراسي هذا، فاتصلوا بها في منتصف الليل يرجونها بلطف شديد، كما هي عادة رجال الداخلية البواسل، ألا تكرّر الحديث عن الواقعة. لكنّها، مع الأسف، كرّرته، وسجّلت مقطعاً مصوّراً آخر، حكت فيه عن مكالمة منتصف الليل، وما جرى فيها من تهديد لا يصح، لأنّها ليست مصريةً عاديةً، وإنّما ابنة أحد القادة القدامى في القوّات المسلّحة، وهو ما يقلب الموازين رأساً على بيادة.
والشاهد… أنّ السيدة المصرية مستاءة من تعالي الشركة الإماراتية على أبناء مصر، وعلى أبناء قادة مصر، على أرضهم، ووسط جمهورهم. وبناءً عليه، وجّهت رسالةَ استغاثة إلى أصحاب الأمر: السيسي وبن زايد. وطالبت… لحظة واحدة. من أصحاب الأمر مرّة أخرى؟ فخامة الرئيس السيسي، وسمو الشيخ محمّد بن زايد. هكذا قالت حنان، ابنة القوّات المسلّحة المصرية. ولا أعرف إلى الآن ما علاقة الرئيس السيسي بالموضوع؟
المهم، يبدو أنّ شيئاً ما حدث بعد ذلك. الفيديوهات حُذفت، والسيّدة سكتت، والأمور "اتلمت". لكن الذي لفت نظري أكثر من الفيديوهات نفسها، بعض التعليقات عليها. فقد طالب كثيرون السيّدة، منذ الفيديو الأوّل، بالتوجّه بالشكوى فوراً إلى الإمارات. وضرب أحدهم مثلاً بقريب له اشترى شاليهاً في المشروع نفسه، ودفع مبلغاً كبيراً مقابل "View" استثنائي على البحر، ثمّ فوجئ بإقامة مبنى إداري أمامه. اشتكى هنا، وراجع هنا، ولفّ هنا، ولم يصل إلى شيء، ثمّ سافر إلى الإمارات، واشتكى هناك، فعادت الأمور إلى نصابها.
كان الباحث السياسي عمرو عبد الرحمن قد وصف منتجعات الجونة بأنّها "مستوطنات"، نظراً إلى اعتدائها على حقّ المصريين في ارتياد شواطئهم، وتخصيصها لفئة بعينها، بالمخالفة للدستور، وهذا وصف يخصّ منتجعات يملكها مصريون، على الأقلّ بالجنسية، فكيف يمكننا وصف منتجعات إماراتية تجاوزت الاعتداء على حقوق الملاك المصريين في أملاكهم إلى منع الشرطة المصرية نفسها من الدخول؟
ضع هذا المشهد أمام مشهد جزيرة الورّاق قبل أيّام، إذ يقف ضابط الشرطة "الأقرع" واثقاً، لا يبالي بكاميرات أهل الجزيرة، وهو يبعدهم بالقوّة تمهيداً لـ"تسليكها" للمستثمر الإماراتي، فيما يعجز زملاؤه عن دخول مراسي. وقلْ لي… ما الأخبار؟

3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان
محمد طلبة رضوان