فيتا نوفا

27 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 02:44 (توقيت القدس)
+ الخط -

أُغرِمَ دانتي أليغييري (1265-1321)، في التاسعة من عمره، بالرائعة بياتريس، "وردة الحبّ الصافي"، من النظرة الأولى، وخُيّل إليه "أنّ روح الحياة التي تقيم في أكثر حجرات القلب خفاء بدأت ترتعد بعنف". بهذه الكلمات، يضعك صاحبُ "الكوميديا الإلهيّة" في جوهر قصّة حبّه، التي كانت موضوع عمله الأوّل: كتاب "فيتا نوفا" أو "الحياة الجديدة"، الذي يرجّح المؤرّخون أنّه كُتب بين سنتي 1290 و1295، أي قبل ظهور الجزء الأوّل من "الكوميديا" بعشر سنوات على الأقلّ. وقد صنع الشاعر والكاتب والمترجم التونسي محمد بن صالح (1946-2019) الحدث قبل سنوات، حين سهر على تعريب هذا الكتاب (دار الجمل، بيروت، بغداد، 2009. 146 ص).

يكتب دانتي المستقبل من قلب عشقِهِ القديم في "فيتا نوفا". وهو لا يكتفي بالكتابة عن الحبّ، بل يكتب عن تحوّل الإنسانيّة. عن لحظةٍ في القلب تفتَح التاريخ وتغلقه. إنه ليس كتاباً عن بياتريس كما تبدو، بل هو عن ميلادٍ جديد يحدُث عندما يلتقي الشعرُ بالرؤية والعاطفةُ بالنبوءة والذاتُ بالعالم. وفي ضوء المرحلة التاريخية التي تعيشها اليوم، مرحلة الانهيارات المتتالية مناخيّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً، يفرض عليك هذا العمل نفسه كأنّه كُتِبَ لك اليوم.

كان دانتي مرحلة فاصلة في الشعر الغربيّ والعالميّ بشكل عامّ. الأمر الذي زيّن لبعضهم الزعم إنّه صانعُ لغة إيطاليا الجديدة، انطلاقًا من هذا الكتاب الذي يُعدّ أوّل عمل بهذا الحجم يُكتب بلغة العامّة الإيطاليّة. وهو زعمٌ لا يخلو من مبالغة، فاللغة ابنة الجماعات لا الأفراد، وهي ثمرة مسيرة طويلة يؤكّدها دانتي نفسُه بانتسابه إلى حركةٍ تعود إلى 150 عاماً من الإنتاج الناجح والرائج. على الرغم من ذلك، من حقّه عليك أن نعترف له بأنّه أوّل من منح اللغة الإيطاليّة الجديدة أوراق اعتمادها لدى الكونيّة.

كتابُ "فيتا نوفا" (أو "الحياة الجديدة") قصيدة حبّ طويلة ذات طابع سيرذاتيّ، ورحلة شبيهة في إشراقاتها بعروج الصوفيّة في طريقهم إلى المعرفة من درجة إلى درجة، ومن مقام إلى مقام. لكنّها غوص أيضاً في أسئلة الكتابة، وهي تفكّر في نفسها، وتشكّ في كاتبها، وتحاور قارئها، وتواجه مضايقها وإمكاناتها. من ثمّ لم يبخل النقّاد بالإشارة إلى أنّ هذا الكتاب شبيه بأنطولوجيا شعريّة نثريّة يتدخّل فيها السرد ليربط بين المقاطع المنظومة. وهي من ثمّ عملٌ عميقٌ مُركّب تتناغم فيه أجناس أدبيّة عديدة، مثل الرواية والأغنية المستلهمة من التروبادور والمقالة التأمّلية.

لقد عرف دانتي كيف يؤلّف بين السجلّات من دون أن يخلّ بجماليّة العمل، وكيف يخاطب قارئه موضّحاً بنية السوناتة، أو مشيراً إلى أنسنَة الحبّ عن قصد، أو مدافعًا عن كتابة أشعار الحبّ بالعاميّة على أساس الاقتراب ممّا يقوله "الكائن الإنسانيّ الطبيعيّ"، مستعدّاً لتحمّل النقد من أجل رأيه، متبنّياً عبارة أوفيد "أرى معارك تتهيّأ ضدّي". لذلك كتب في خاتمة المقطع الخامس والعشرين: "الخجل يقعُ هائلاً على من يَنْظِم تحت رداء الصور الجميلة أو غطاء الأشكال البلاغيّة، ثمّ لا يقدر، إذ يُسأل، أن يزيح عن كلماته مثل هذا الرداء، كي يكشف عن المعنى الحقيقيّ".

عملٌ عابر للزمان والمكان. ومشاغل تقولنا وتتناغم مع مشاغلنا اليوم. وحداثة لم يسقط منها شيءٌ حين مرّت بامتحان الزمن. وتوهّج إبداعيّ لم يذهب منه شيء حين مرّ بامتحان الترجمة والانتقال إلى اللغة العربيّة. أمرٌ ما كان ليحصل لولا نجاح المترجم في نحت لغةٍ عربيّة مضمّخة بأسلوب مؤلّف العمل، وثيماته الفنية والأسطوريّة، وخلفيّته الفكريّة والتاريخيّة.

يطلّ عليك دانتي بهذا الكتاب من بين أنقاض الحداثة، وخرائب الثقة بالعالم، وأنت بين أنياب القرن الحادي والعشرين، كأنّه يقول: لا خلاص في الأيديولوجيا ولا في التكنولوجيا، بل في الكتابة التي تشبه الولادة، وفي الحبّ الذي لا يطلب سوى أن يكون بوّابةً إلى المعنى. ولعلّ من الجائز القول إنّ "فيتا نوفا" اليوم ليست مجرّد "بيانٍ شعريٍّ" قادم من العصور الوسطى، بل هي دعوةٌ إلى إعادة بناء الذات من قلب الألم. دعوة إلى اكتشاف "حياة جديدة" تنبثق من الرماد، ولا تنكر الكارثة بل تنبت من عمقها. لقد آن أوان إعادة قراءتها لا بوصفها ماضياً أنيقاً، بل بوصفها مستقبلاً محتملاً، فالذين سيكتبون الغد هم الذين يعبرون ليلهم ببيتٍ من الشعر وصمتٍ مضيء.