غزّة… ابنة البحر الأخيرة
طفل فلسطيني يجلس على صخرة أمام البحر في غزّة (9/6/2025 Getty)
هل علينا أن نتساءل بين أنفسنا، ونهمس في عجزٍ لا يخفى: ما أشبه اليوم بالبارحة؟ ما ينتظر مدينة غزة، آخر قلاع البحر النائمة والمثخنة بالجراح والألم، هو ما حدث فعلاً ليافا مثلاً؛ المدينة التي تعرّضت عام 1948 لأكبر عملية عسكرية أدّت إلى سقوطها أمام الهجمات الصهيونية، والتي صاحبها تدمير واسع لكل مظاهر الحياة، بما في ذلك قتل البشر والحجر. وقد أدّى ذلك، وبنتائج متسارعة، إلى إحداث تغييرٍ ديموغرافي كبير في المدينة، حتى أصبح معظم سكّانها اليوم من اليهود، مع أقلية من العرب. وهذا ما يتوعّد به نتنياهو غزة، آخر المدن الفلسطينية المطلّة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، التي لا تزال تحتفظ بطابعها العربي والإسلامي، رغم كل ما تعرّضت له تاريخيّاً من هدم وتدمير.
لا تزال إسرائيل تبثّ تهديداتها لاحتلال مدينة البحر الأخيرة، التي نسمّيها غزة هاشم، حيث يسكنها حاليّاً قرابة 800 ألف إنسان فرّوا من شمال المدينة وشرقها، وأصبحوا في مركزها، ولاذوا بأحيائها العتيقة والحديثة مثل أحياء الرّمال، والنّصر، والشّيخ رضوان. وهي أحياء تعرّضت لإخلاءات متكرّرة، لكن السكان عادوا إليها، وربّما لم يغادر معظمهم بيوتهم أصلاً، لأنهم ببساطة لا يعرفون غيرها. وغالباً هم من سكّان المدينة القدامى وأبنائهم، ممن وُلدوا في العقد الأخير من القرن الماضي، وعاشوا حياة قاسية بسبب الحروب المتتالية. ورغم ذلك، لم يفكّروا بالهجرة حتى حين كانت السّبل متاحة، قبل إغلاق معبر رفح نهائياً منذ نحو عام وثلاثة أشهر.
لمدينة غزّة، التي يتوعّد نتنياهو باحتلالها، خصوصيّة بين المدن الفلسطينية الكبرى؛ فهي المدينة الأخيرة التي لم تقع في قبضة الاحتلال بشكل كامل على غرار رفح وخانيونس. ولا يزال أهلها مرابطين، حتى مع تعرّضهم للإبادة المستمرّة، فأغلبهم لم يستجيبوا لأوامر النّزوح والإخلاء التي وُجّهت إليهم في الجمعة الأولى من هذه المقتلة، وتمسّكوا بوجودهم وبقائهم، رغم أنّ كثيرين منهم مرضى أو طاعنون في السنّ. لم يفكّروا بالمغادرة، ومرّوا بأسوأ الظّروف، ابتداءً من التجويع، ومروراً بالقصف العشوائي المتواصل، الذي أجبرهم على التنقّل بين أحياء المدينة من دون أن يغادروها نحو مخيمات وسط القطاع أو جنوبه، حتى بعد تعرّض شبابهم للاعتقال أو القتل بدم بارد. لكنّهم ظلّوا مصرّين على البقاء في عمق المدينة وقلبها، لأنهم باختصار لا يستطيعون العيش بعيداً عنها.
في قلب المدينة وأحيائها، التي أصبحت مهدّدة بالوقوع تحت احتلال كامل من إسرائيل، تُطرح خطط مختلفة لإزالة طابعها، وهي التي تعدّ آخر معاقل الصّمود الغزّي. طالما عبّر قادة العدو الإسرائيلي عن أملهم وحلمهم برؤيتها تغرق في البحر، لكنّك هناك ترى النّاس لا يبالون بهذه التهديدات، ولسان حالهم يقول كلمة واحدة: لن نرحل.
لغزة خصوصية في نفس وقلب وروح كل إنسان مرّ بها يوماً أو عاش فيها عمراً. فإذا كان لهذا الإنسان أن يرتب جدول يومه وعلاقاته، فإنه يربط وجوده بوجودها، ويخبرك بأنه سينتظرك عند شاطئ البحر، أو تحت الشجرة العملاقة التي تقف على ناصية شارع البحر، أو أنه يحلم بأن يحقّق حلمه ويسكن بجوار الشّاطئ، حتى يغبطه من حوله قائلين: دارك على شطّ البحر.
نعم، حين يريد من حولك أن يغبطوك على علوّ شأنك وبلوغك مرادك، يقولون إنّك تنفرد بكون بيتك يقع على شاطئ بحر غزة. فغزة هي ابنة البحر، والزّنبقة التي تحترق أمام بحرها المقدّس، الشاهد على كل ما مرّت به من آلام صامتة، والذي غسلت جراحها الدّامية بمائه مراراً. فهل يحدُث هذه المرّة أن تُشفى غزة من جرحها المفتوح؟ عسى أن تأتي أيامها القادمة وهي تلوّح لنا بالإجابة.