عن المرأة السورية والمستقبل

26 ديسمبر 2025

(صفوان داحول)

+ الخط -

في موقع نادي المحامي السوري، ورد تعريف الوصي بالصيغة التالية: "الشخص الذي يُعطى حقّ التصرّف، غالباً، فيما يحقّ له التصرّف فيه؛ كقضاء الديون وردّ الودائع وتنفيذ الوصية والولاية على الصغار أو المجانين أو الذين لم يؤنس منهم الرشد، والنظر في أموالهم والتصرّف فيها. وقد صُنِّف الوصي في نوعين: الأوّل هو الوصي المختار، الشخص الذي يختاره الأب أو الجدّ للإشراف على أموال الأولاد والأحفاد. النوع الثاني فهو وصي القاضي، أي الشخص الذي يختاره القاضي للإشراف على التركة والأولاد. ولقد حصر القانون السوري الوصاية بالشخص القاصر فقط، وهي متعلّقة بأموره المالية فحسب وليس بأموره الشخصية، وتعود الوصاية على مال القاصر إلى الشخص الذي يعيّنه الأب أو الجدّ العصبي قبل وفاتهما ويُسمّى الوصي المختار، على أن تثبت المحكمة هذه الوصاية بعد الوفاة، وإذا لم يكن هناك وصي مختار فإن المحكمة الشرعية هي التي تعيّن الوصي... أمّا بالنسبة للولاية فقد حصرها القانون السوري بالصغير القاصر وهو الذي لم يبلغ سنّ الرشد سواء أكان مُميِّزاً أم غير مُميِّز، وهي تقسم إلى قسمين، الأول الولاية على النفس والثاني الولاية على المال، وتعود الولاية على المال والنفس معاً إلى الأب وفي حال عدم وجود الأب تعود إلى الجدّ العصبي (أي جدّ الأب)، وفي حال عدم وجود الأب أو الجدّ العصبي، تنفصل الولاية على النفس عن الولاية على المال، وتنقلب الولاية على المال إلى وصاية، وتبقى الولاية على النفس فقط، وعندها تعود إلى الأقارب العصبات بحسب ترتيبهم بالنسبة للإرث من الصغير".

دفع تعميم وزارة العدل السورية رقم 17 المرأة إلى الظلّ في طريق مُشرع على احتمالات قد تصبح فيها المرأة مغيّبة من الشأن العام

لم أكن أفهم هذه التفصيلات في ما مضى، على الرغم من أنني مررت شخصياً بتجربة في صميم هذا الأمر، فقد تُوفِّي والد ابنتي وابني في مرحلة مبكّرة من عمريهما، كانا قاصرين حياتياً وقانونياً، وحينها مُنحتُ الوصاية عليهما بقرار قضائي، ومرّت السنوات وهما يكبران وأنا أتوكّل بأمورهما الحياتية بكل تفاصيلها من دون أن أواجه بموضوع الولاية، رافعتُ في جميع القضايا قانونياً، حتى في تلك المتعلّقة بالملكية أصالةً عن نفسي ونيابة عنهما بموجب الوصاية التي بحوزتي، ولم أُطالَب بقرار ولاية، وهما حالياً بالغان ولكلٍّ منهما أُسرة. لكن الصخب الذي أحدثه التعميم رقم 17، الصادر أخيراً عن وزارة العدل في سورية، دفعني إلى الوقوف عنده في محاولة لفهمه وتبيّن ما يحمل من دلالات ومؤشّرات ستعيد صياغة الثقافة المجتمعية، وتعيد ترتيب التقسيم الاجتماعي في المجتمع وفق الجندر، بما يحمل من غبنٍ موعودٍ في ما يخص المرأة، ويرجعها إلى مراتب أدنى اجتماعياً وقانونياً، ما يمكن أن ينعكس سلباً على دورها (وحقّها) في المشاركة في الحياة وعلى مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية. وفق التعميم، أصحاب الولاية على النفس الذين يشملهم التعميم هم: الأب، الجدّ العصبي، الأخ الشقيق، الأخ لأب، ابن الأخ الشقيق، ابن الأخ لأب، العمّ الشقيق، العمّ لأب، عمّ الأب الشقيق، عمّ الأب لأب، عمّ الجدّ العصبي الشقيق، عمّ الجدّ العصبي لأب، ابن العمّ الشقيق، ابن العمّ لأب، ابن عمّ الجدّ العصبي الشقيق، ابن عمّ الجدّ العصبي لأب، بعد أن كان هذا الحقّ حصراً بيد الأب فقط.
من المفاهيم الغامضة عندي، وعند معظم من تداولوا هذا التعميم ونشروا آراءهم المُستنكَرة في معظمها، هو الجدّ العصبي، أو العصبة كما وردت ملحقةً بالتصنيفات، هذا ما جعلني أبحث عن الكلمة أو التوصيف لفهمه قبل أن أتبنّى حكم قيمة، فوصلتُ إلى أن الجدّ العصبي هو جدّ الأب (أبو الأب) الذي يأتي في مرتبة الولاية الشرعية بعد الأب في حال غيابه. وفي ترتيب العصبات، كما جاء في التعميم، وكما كان في تفصيل الولاية سابقاً في قانون الأحوال الشخصية، تنحصر الولاية في العصبات المتفرّعة لناحية الأب، من أبناء الأشقاء، ثم الأعمام، ثم أبناء الأعمام... إلخ. فإذا كانت الوزارة قد أكّدت أن هذا التعميم جاء تلبيةً لاحتياجات الأفراد المتزايدة لاستصدار جواز سفر أو الحصول على تأشيرة خروج، وتخفيفاً لأعباء المحاكم الشرعية والقضاة، فإن التعميم قد يشكّل عتبةً أو بدايةً لتعاميم أخرى تتوسّع لتغطّي أحوالاً متنوّعةً لها علاقة بالأسرة السورية، ستزيد من تهميش المرأة وترسيخ تبعيتها بشكل كبير، ومحاصرتها في صور نمطية سيكون لها دور مؤثّر وقوي على الثقافة المجتمعية التي هي من الأساس تتعثّر كلّما تقدّمتْ خطوةً نحو الأمام.
لا يمكن إنكار ظاهرة باتت من ملامح المجتمع السوري، كانت تتطوّر منذ بدايات النصف الثاني من القرن الماضي، ظاهرة دخول المرأة السورية ميدان العمل والإنتاج، ودورها الذي أصبح ضرورياً في تأمين حياة الأسرة. هذه الظاهرة لم يواكبها تحسين في القوانين لناحية إنصافها، بل كانت المرأة دائماً متقدّمة على القانون وعلى الأعراف أحياناً، كانت تتحمّل أعباء العمل خارج البيت ولم تتخفّف من مسؤولياتها والوظيفة الملقاة على عاتقها في البيت بموجب سطوة الأعراف والقيم والتنظيم الاجتماعي لدور المرأة والرجل، ما يعني أنها تقوم بأعباء أكثر من الرجل بكثير، بل في بعض المناطق كانت المرأة غير مخوّلة أن تتصرّف بدخلها أو براتبها الشهري، فكانت في كثير من المناطق تمنح الرجل توكيلاً بقبض راتبها ليضعه في جيبه ويتحكّم هو في مصروف البيت. كذلك لم تكن تحمل هُويَّتها أو بطاقتها الشخصية التي كانت في محفظة الرجل أو في جيبه باستمرار، وهذا يشير إلى أن المرأة بحدّ ذاتها في الوعي الجمعي في حاجة إلى وصي عليها ووليّ. هذا واقع كان موجوداً مهما حاولنا نكرانه، يعني أن المجتمع كان يبارك عمل المرأة الذي تصرف أجره في البيت وعلى الأسرة، أو يغضّ الطرف أحياناً، لكن في المقابل يبقيها محاصرة بالأعراف والقيم الظالمة، ولا يمنحها إلا إنسانيةً منقوصةً، بالتوازي مع القوانين التي كانت تظلمها، ولم يعمل نظام البعث الذي ادّعى تبنّي قضية المرأة وادّعى علمانيةَ الدولة ومدنيَّتَها، لإنصاف المرأة، بل بقيت الأبواب التي فتحها على هذه القضية مواربة فحسب. وأمّا منظّمة الاتحاد النسائي التي مارست عملها على مرّ السنوات، قبل أن تُحلَّ قبل أعوام، وما تضمّنته من نشاط وأهداف نظرية، فلم يرقَ إلى حالة العدالة المنصفة للمرأة، بل إنها لم تدافع هذه المنظّمة بالشكل المأمول عن النساء وما يلحقهن من غبن مجتمعي وسياسي ومن تمييز القوانين ضدهنّ، فلم نسمع عن حالة تم فيها الدفاع عن المعتقلات مثلاً، ولا عن العنف الجنسي الذي تتعرّض له كثير من النساء، ولا الدفاع عن كرامتهن في ما يسمّى بـ"جرائم الشرف" أو الاغتصاب أو تزويج القاصرات أو حمايتهنّ من التنمّر والتسلّط الذكوري في البيت أو في أماكن العمل، ولا اجتهدت المنظّمة في ما يتعلّق بقانون الميراث.

إذا كانت الأم "مدرسة" و"الجنة تحت أقدام الأمهات"، فلماذا تُهان المرأة قبل أن تصبح أُمّاً؟

يأتي هذا التعميم ليزيد في دفع المرأة إلى الظلّ في طريق مشرع على احتمالات قد تصبح فيها المرأة كائناً شبحياً مغيّباً من الشأن العام، في وقت ننفخ في قربة "القيم" والأعراف ونضخّم الأمثال الشعبية والروافع الدينية التي تبجّل المرأة "الأم" بشكل خاص. فإذا كانت الأم "مدرسة" وإذا كانت "الجنّة تحت أقدام الأمهات"، فلماذا تُهان المرأة في مراحلها الأولى قبل أن تصبح أمًّا، وفي لحظة يُراد منها أن تكون مدرسةً في التربية والتفاني وزرع القيم والأخلاق؟ ولماذا تُسنُّ القوانين والتشريعات التي تقلّص دورها أُمّاً أيضاً؟ على الرغم من كل ما تحمّلته الأمُّ السوريةُ في سنوات الحرب أو الثورة، من شظف العيش، ونهوضها كل فجر من تحت رماد حريقها كي تضمّ أولادها وتساعدهم على عيشهم في حال غياب الآباء وتحمّلها المسؤوليات كلها؟
ما هي المعايير العلمية التي تؤكّد بالبرهان العقلي أن المرأة ناقصة الأهلية فلا تُؤتَمن على مسؤولية الأبناء، ثم إن أيَّ ذَكر في الأسرة الممتدّة للأب أجدر منها في إدارة الولاية على أولادها القُصّر؟ ألا يستحقّ هذا العالم الكبير، بما وصل إليه من تقدم علمي وحضاري، أن يُنظر فيه إلى دور المرأة الرائد في مجالات العلوم والحياة والإدارة كلّها؟ حتى في تبوّؤ المناصب السياسية وترؤس دوائر صنع القرار، ومنهن نساء ينحدرن من مجتمعاتنا إنما لم يأخذن فرصهن إلا عند توافر الظروف التي تقدّر قيمتهن الإنسانية وتشجّع وتبارك إبداعهنّ؟
الاستياء من التعميم، والضجيج الذي أحدثه في مواقع التواصل، وفي الواقع أيضاً، يدلّ على حجم التوجّس والخوف من المستقبل القريب والبعيد، فسورية التي قدّم شعبها أبهظ الفواتير في سبيل الوصول إلى وطن معافى يحقّق فيه أحلامه في دولة المواطنة والقانون والمؤسّسات، جديرة بأن تبقى نساؤها كريمات، وأن يُعترف بحقوقهن مواطنات من دون التمييز على أساس الجنس.

سوسن جميل حسن
سوسن جميل حسن
سوسن جميل حسن
كاتبة وروائية سورية.
سوسن جميل حسن