عندما يُربكنا تشومسكي
أحجارٌ ثقيلةٌ يرمينا بها ما وصل إلينا من نُقولاتٍ من "ملفّات" الملياردير رجل الأعمال، جيفري إبستين، أو على الأصحّ ما تأخُذنا إليه متاهة خرائط هذا الرجل المُلغِز في مماته وبعض حياته، المُدان قضائيا لاقترافه قذاراتٍ جنسيةً وسقوطاً أخلاقيّاً مع قاصراتٍ وأطفال، حيث نقع على متواليةٍ من أسماء شخصياتٍ من كل جهات الأرض، كانوا على صلاتٍ معه، وهو الذي أذيع أنه انتحر شنقاً في صيف 2019 (عن نحو 66 عاماً) في سجنه في نيويورك، وترجّح تقديراتٌ غير قليلة أنه قُتل. نُفاجأ بأن سيئ السمعة، وصاحب الشناعات الثقيلة، هذا، من أصدقاء غزير الأوصاف المحمودة المستحقّة، المفكر اللامع في نقد الإمبريالية والسياسة الأميركية، واللغوي، ونصير الفلسطينيين، والساخط على إسرائيل، نعوم تشومسكي. المفاجأة غريبة، مثيرة، لكن الأهم أنها صادمة، سيّما وأن الصلة بين اثنيهما لم تكن ظرفية، بل تبدو وثيقة، وقامت وتوطّدت بعد إدانة إبستين بارتكاب جرائم اتّجار بالبشر واعتداءاتٍ جنسيةٍ واستغلال أطفال ومراهقات في العام 2008. وكان صاحب كتاب "من يحكم العالم؟" على معرفةٍ بهذا كله، بل ونصح صديقه السافل ذاك بأن لا يكترث بضجيج الصحافة في تناولها ما دينَ به والشبهات المُقرفة التي تحيطه. وفيما لم يكن من زوّار جزيرةٍ لإبستين في أرخبيلٍ في بحر الكاريبي، خصّصها لاستضافة نجوم ومشاهير و"تأمين" خدماتٍ جنسيةٍ شنيعةٍ لمن أراد منهم فيها، أقام المفكّر، الذي تجاوز السادسة والتسعين عاماً أخيراً، وزوجته، مرّات، في شقة لإبستين في نيويورك، وفي أخرى له في باريس، وكذا في مزرعة له في الولايات المتحدة.
ومن عجبٍ أن يدافع تشومسكي عن صداقته مع الفاسد المُفسد، وبأنها لا تخصّ رجال الإعلام الذين سألوه في صددها. لا يرى حرجاً في هذا كله. ولنا أن نقول إن من حقّ أي شخصٍ أن يقيم الصداقات التي يشاء، ولكن المسألة هنا لا تنقاس بالبديهيّ العادي، ولكن صاحبنا من أبرز نقّاد التوحش الرأسمالي، ويُحسب اشتراكيّاً تحرّرياً في محملٍ ما، ثم يطلب تدخّلاً في شأنٍ يخصّه من شخصٍ متّهمٍ رسميّاً بجرائم وسخة، وشكوك ثقيلةٌ بكيفيات جمع ثروته التي تردّد أنها تزيد على ستمائة مليون دولار، وبناها أولاً من أعمالٍ عقاريةٍ وخدماتٍ ضريبيةٍ مع مليارديرات ورجال أعمال، وذلك بعد أن ترك وظيفته معلماً (ثم مديراً) في مدرسة، انكتب أن سلوكه كان، في الأثناء، مع قاصراتٍ مشيناً، وبعد أن انصرف إلى أعمالٍ من الغرائب أن لا يضعها تشومسكي ضمن منطق زواج النفوذ المالي في الولايات المتحدّة مع السلطة وتشابكاتها وخرائطها. وعندما يستعين صاحب نظرية "النحو التوليدي" بإبستين لتسوية قضيةٍ تتعلق بمبلغٍ مالي له، فإنك سترتاب لا شكّ، فثمّة طرائقُ أخرى كان في وُسعه أن يسلكها لحل إشكالٍ من هذا النوع، من دون أن يتّسخ بصلةٍ مع شخصٍ مُدانٍ وموسومٍ بفضائح جنسيةٍ مُخزية، من المحزن أن يتحدّث المثقف اللامع عن "نقاشاتٍ فكريةٍ" كانت بينهما، فقد كان ذاك "صديقاً عالي القيمة، ومصدراً منتظماً للإلهام الفكري". وأظنّنا، هنا تحديداً، في حاجةٍ شديدة الإلحاح لمعرفة المستوى الثقافي الذي كان عليه شخصٌ يحترف تقديم "خدمات" جنسية لأصحابه مع قاصرات، سيّما أن أحداً من أصدقائه وزبائنه لم يأت على "فكر" لديه في أرطالٍ من مراسلات صادفنا نتفاً منها فأصابتنا بالروْع والجزع لوفرة ما فيها من سفالات. ... ولمّا قالت زوجة تشومسكي إن إبستين خدع زوجها، فهذا كلام مُراوغ، فلا يستقيم أن صاحب عقلٍ ألمعي، حاربته إسرائيل غير مرّة، وناهض أخطبوطيات الإعلام النافذ في سطوته على العقول وعلى الحقائق، يمرُق عليه خداع رجلٍ مكشوف، سيقت ضدّه تهم وإداناتُ محاكم مختصة بأفعال مرذولة، أخذته إلى سجنٍ وانتهى فيه نهاية درامية.
ليس من تفسيرٍ يحسم الصدمة المباغتة في وجود اسم نعوم تشومسكي بين صداقات جيفري إبستين، في مراسلاتٍ وصور شخصيةٍ بينهما، وفي الذي أبانت عنه تقارير صحفية موثوقة، ليس سوى أنها غواياتٌ تغشى النفس البشرية في سياقات غامضة، ثاويةٍ في جوف عميق. لم يكسب تشومسكي شيئاً انتفع منه مالياً أو اجتماعياً من صلته بسيئ الصيت ذاك، ولم يُحرز من هذه الصلة متعاً ذاتية في شيخوخته. إذن، لماذا "غامر" في ما يجوز وصفُه سقوطاً أخلاقياً، وأقام هذه العلاقة مع شخصٍ من هذا اللون؟ ربما ليُربكنا، وليس أكثر.