عماد أبو صالح دائماً
لم يأخذ من الشعر قصراً، ولا وظيفةً، ولا زوجةً جميلةً تمشي بجواره فرِحةً بعبقريته، بل أخذ من الشعر غمامةً جميلةً تظلّله وحده وتشقيه وحده، ولا يراها سوى هو.
لم يأخذ من الشعر بيتاً هادئاً في الريف فيه أولاده، ومعهم السرور وأنوار أعياد ميلادهم ومواعيد طائراتهم إلى البلدان، بل أخذ منه ذلك الحرز الغامض الذي يتّكئ عليه عصاً بعد ما اقترب من الستّين من دون سند، سوى تلك الغمامة أو ذلك الحرز. يخاف من السلطة ويحذرها كما يخاف الورد من هجمات الخيول والدبّابات في أيّام الحرب، وكما تخاف خيام الغنم من أصوات الذئاب. هو يخاف الذئاب لأنه لا يحمل أيَّ أنياب، هو فقط يمشي ناحية غابةٍ فيها كتابٌ يحبّه، أو مقهى فيه أُلفة ما، أو أمامه شجرة لا يعرف اسمها، أو مبنى قديم يركن إليه ظهرَه حماية لنفسه من الشمس والأذى.
يعرف عماد أبو صالح كيف يخطو من دون أن يحسب خطواته. أعطاه الهدوء ملكة الصمت من دون أن يصمت قلقه، ولم تأخذه الدهشة ناحية الارتباك أو التفريط في ما يريده، رغم بساطة ما يريده. يمشي وكأنه يمشي كذلك من ألف عام.
أعطاه الشعر هديةَ ما، ينكرها ويحرص عليها، ويخافها في الوقت نفسه، وأحياناً يتمرّد عليها بمتاهات السرد أو الاقتراب منه في حذر أيضاً، وكأنه يخافه أيضاً. يحبّ الناس عن بعد كالشتاء، ولكنّه يخاف لهيبهم. يقترب قليلاً وهو يعرف أنه سيلُّم سيرته ويتدارى في غرفته. لم أره من سنوات طويلة، ولكنّه يمشي معي بطريقة ما، وكأنه يسأل عني، هو لا يطلب ممّن يحبّهم شيئاً، بل يعطيهم ويمشي، هو غمامة، هو غمامة نفسه، ولا يزرع من وراء تلك الغمامة ولا يرفع ولا يستظلّ بشجر مطرها، هو يعرف بالكاد كيف يمشي، كي يتجنّب قدر الإمكان عثرات الطريق وأشواكه.
لا هو قروي حقيقة ولا هو هو مديني أبداً، ولا يُمسك الشعر من قرنيه وضرعه بقوة كما يفعل لاعب السيرك، أو مصارع الثيران، أو الخادم الذي ينتظر الإحسان بباب الشعر في كل وقت، هو يصاحب الشعر بهدوء وتوجسّ وحذر كعاشق غير متأكّد من النهايات أبداً.
عماد لا يحب الانتصارات، ولا يأمل في نهايات المعارك أو جمع الغنائم أو الجلوس إلى موائد المفاوضات، لأنه دائماً يعود إلى غرفته بكتاب، أو هدية بسيطة، ليس له ذلك العدو المُعلَن، ولا حتى ذلك الصديق الذي يعرف مواعيده أو مرضه.
يحب جمال الكتب رغم أنه يخاف على نفسه من فتنة ما فيها، أو فتنة أصحابها، أو فتنة تلك الحياة التي عاشوها، هو أنيق في محبّته، وصوفي أيضاً، من دون أن يدّعي ذلك أبداً أو يبوح به، هو أنيق في محبّته جدّاً من دون أن يزهو برفعة الأناقة. أنيق مع نفسه ولنفسه ولصالح نفسه، وطيّب مع نفسه، ويقسو أيضاً على نفسه ويؤلمها، من دون انتظار أيّ شيء. هو يعلّم نفسه بحرص وقسوة من دون أن يخون ما يكتب، أو من يصاحب أو من يحبّ.
هو صديق قريته من دون أن يتغنّى بها، وصديق مدينته من دون أن يهجوها أو يجرحها، هو صديق غمامة نفسه، ولا يقسو على أحد ابتغاء شيء؛ هو لا يميل إلى الأشياء، إلا أشياء الشعر، أو الأشياء القريبة من الشعر، والتي تكون عادةً غامضةً أو بسيطةً أو خفيفةً، ومستعصيةً وحميمةً.
من سنوات طويلة جدّاً لم أره، صحبتنا قليلة جدّاً، وشحيحة جدّاً، وليس فيها من أيّ شيء يذكر أبداً، سوى كوب شاي بالمصادفة في مقهى في ظهيرة القاهرة أو كلام عن كتاب أو خطوات نضحك فيها بهدوء عن الوضع والناس من دون وجيعة، ولكنّني أحسّ به يمشي قريباً منّي، رغم عدم رؤيته منذ سنوات بعيدة.
يكتب عنّي من دون سبب، وأكتب عنه من دون أن أعرف لماذا، وكأنني أتكلم عن غمامة، وليس عن شاعر اسمه عماد أبو صالح، اقترب من الستّين، ولا يذهب أبداً إلى أيّ مكان كي يقول الشعر، وكأنه لا يفرح بالشعر، ولا يفرح بالمدينة التي يعيش فيها، ولا يفرح بالسفر، ولا يفرح حتى بالغناء عن القرى التي ولد فيها، وكأنّه يكتب عن قرية أخرى ما بعيدة، قرية ليس بها أيّ نباح لكلاب، قرية بلا وقت تقتله.
عماد غمامة تتجنّب نباح الكلاب، والغريب جدّاً أنه لا يسلم أبداً منها.