عالَم ترامب

07 يناير 2026
+ الخط -

في لحظات التحوّل الكبرى، تختصر الصور ما تعجز عنه آلاف الكلمات، ويمكن اختصار المشهد العالمي الراهن في صورتَين متقابلتَين حدّ المفارقة. الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، جالساً بجانب وزيرَي الحرب والخارجية في حكومته، وكبار مستشاريه الأمنيين والعسكريين، داخل غرفة متشحة بالسواد، يتابعون في الهزيع الأخير من الليل عملية اختطاف رئيس دولة على بُعد آلاف الأميال من مقر اجتماعهم. صورة توحي بأنها لقطة من فيلم عصابات، يُدار فيه العنف ببرود تقني، ويُختزل العالم في شاشة وغرفة تلفّها ستائر سوداء. الصورة الثانية لرئيس فنزويلا المُختطَف نيكولاس مادورو، يُقاد مُكبَّل اليدين، محاطاً برجال غلاظ شداد، في استعراض فجّ للقوة، يُراد له أن يرمز إلى "الرجل السيّئ" أو "الشرير" الذي قررت العصابة التخلّص منه.

تكمن "جريمة" نيكولاس مادورو الحقيقية في تموضعه الجيوسياسي الخاطئ من منظور واشنطن

ليست المقارنة هنا جمالية أو انفعالية، بل سياسية وأخلاقية بامتياز. فهاتان الصورتان تختزلان أميركا اليوم؛ المتجسّدة في الاستعراض السافر للقوة، والاستخدام المُتعمَّد للعنف خارج أيّ إطار قانوني. وهو ما عبّر عنه وزير الحرب الأميركي بلا مواربة، حين قال إن بلاده "قادرة بقوتها على الوصول إلى أيّ مكان في العالم". تصريح لا يحتمل التأويل، بقدر ما يؤكّد (لمَن لا تزال لديه ذرّة شكّ) أن الولايات المتحدة تريد أن تقول للعالم إن أميركا هي القانون، والقانون هو أميركا.
الأخطر من الفعل نفسه ما تلاه من ردّات فعل، أو بالأحرى غيابها. فهذه المشاهد الاستثنائية، بما تحمله من دلالات صادمة، لم تُقابل بتنديد دولي واضح، بل ببيانات باهتة، متحفّظة، مهادِنة، تخشى أن تُغضب "العصابة". سمعنا تصريحات ضعيفة ومتناقضة من سياسيين ورؤساء دول، تشبه التي تصدر عندما تصطدم دبلوماسيتهم بحقيقة أن حليفهم فقد صوابه، فقد كان لافتاً أن هذا الانقلاب قوبل بتساهل واضح في بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بل وبنوع من التواطؤ الصامت.
هذه الديمقراطيات التي أقامت الدنيا عندما غزت روسيا أوكرانيا، امتنعت اليوم عن إدانة واضحة لانتهاك مباشر لمبادئ النظام الدولي التي تدّعي الدفاع عنها. حاول الجميع تبرير صمته بالقول إن مادورو "كان رجلاً سيّئاً للغاية". لكن ماذا عن بنيامين نتنياهو، المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية، والمتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟ لماذا لم نسمع اللغة نفسها عندما استقبله ترامب في منتجعه بمارالاغو في فلوريدا؟ ولماذا ساد الصمت نفسه الذي يُبرَّر اليوم بالخوف، بحجّة أن مادورو مستبد وصاحب سجل سيّئ في حقوق الإنسان؟
لا تكمن "جريمة" نيكولاس مادورو الحقيقية في كل ما يُساق من اتهامات جاهزة، حتى وإن صحّ بعضُها، بشأن الاستبداد وحقوق الإنسان وتجارة المخدّرات، بل في تموضعه الجيوسياسي الخاطئ من منظور واشنطن. جريمته أنه اختار أصدقاء لا يُسمح له بأن يجعلهم أصدقاءه: روسيا والصين وإيران. وأنه تجرأ على الخروج من بيت الطاعة، ورفض أن تكون فنزويلا مزرعةً خلفيةً لشركات النفط الأميركية. والأخطر أنه أعلن دعمه الصريح القضية الفلسطينية، ودان حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل على غزّة، ورفض الانضمام إلى جوقة الصمت أو التواطؤ. ففي عالم تُكافَأ فيه الأنظمة على ولائها، لا على احترامها للقانون، يصبح هذا الموقف جريمة لا تُغتفر.
اختطاف رئيس دولة بالقوة العسكرية ليس فقط عملاً غير قانوني، وتجاهلاً فجّاً للسيادة الوطنية، بل حدث يبعث الخوف والذهول في أنحاء العالم، ويزعزع الاستقرار إقليمياً وعالمياً. فعل يناقض الأعراف الدولية، ويتجاهل الحقوق السيادية للدول، ويحوّل الفوضى إلى سياسة معتمدة. نحن أمام عالم جديد، عالم القوة الأميركية المطلقة بلا قيود، حيث تُهدَّد الدول علناً بالضرب والضمّ والاجتياح. عالم يمكن تسميته، دون تردد، "عالَم ترامب".
وليس هذا توصيفاً إعلامياً لحظيّاً، بل حالة ذهنية وسلوكية تتجسّد في شخص رئيسٍ يرى العالم امتداداً لغروره الشخصي. عالم تحكمه المزاجية لا المؤسّسات، والنزوات لا القواعد، واستعراض القوة لا شرعية القانون. رئيس لا يخفي احتقاره للضوابط، دستوريةً داخل بلاده كانت، أو قانونية على المستوى الدولي. يتعامل مع الاتفاقيات كما يتعامل مع الصفقات التجارية، قابلة للتمزيق متى تعارضت مع رغبته الآنية. غطرسته السياسية تتغذّى من شعور متضخّم بالقوة، ومن قناعة راسخة بأن الردع لا يكون إلا بالعنف، وأن فرض الإرادة بالقوة هو الطريق الأسرع لانتزاع الصفقات. في مثل هذا العالم، لا مكان للدبلوماسية ولا للشرعية الدولية، بل لمنطق زعيم عصابة: يُعاقَب كل من عارضه، وتُكسَّر ضلوع كل من يخرج من طاعته، ومن يرفض الخضوع يُجعل عبرةً للآخرين.
ليس غريباً، إذن، أن تعلن كولومبيا وكوبا تخوّفهما من أن تكونا الهدف التالي، وأن يُعاد طرح مسألة السيطرة على قناة بنما، وأن تستشعر أوروبا الخطر لو قرّر غداً احتلال غرينلاند، وأن تراقب الأنظمة السلطوية والديمقراطيات الحليفة لواشنطن خطوات ساكن البيت الأبيض التالية بقلق بالغ. فحين تلجأ القوة العظمى الأولى في العالم إلى العنف غير المُبرَّر، فإنها تفتح الباب لسابقة خطيرة. ما الذي يمنع فلاديمير بوتين من تكرار المنطق نفسه في أوكرانيا؟ أو شي جين بينغ من الاستناد إلى هذه السابقة يوماً ما في تايوان؟
في هذا السياق، يُلقى العبء الأكبر على الشعب الفنزويلي، فهو وحده من سيحسم المعركة: إما مقاومة الاحتلال الأميركي وإما القبول به، مع ما يحمله ذلك من سيناريوهات قاتمة من تفكّك الدولة واندلاع حرب أهلية داخلها، قد تُشعلها أجهزة الاستخبارات الأميركية إذا فشل مشروع "الإدارة المؤقّتة" التي ستُنصَّب فيها. ففي كل تجارب التدخل العسكري الأميركي السابقة في الصومال وأفغانستان والعراق وليبيا، تحوّلت النتائج إلى كوارث، وخلفت ضحايا بالملايين ودولاً فاشلةً لم تخرج من فشلها حتى اليوم.

في مثل هذا العالم، لا مكان للدبلوماسية ولا للشرعية الدولية، بل لمنطق زعيم عصابة

أما ترامب، الذي كان يطمح إلى جائزة نوبل للسلام، فقد أسقط آخر أوراق التوت عن سوءته، كاشفاً نفسه رجل حرب ودماء، بات يشكّل اليوم خطراً داهماً على السلم العالمي. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، شهد العالم تصاعداً مقلقاً في بؤر الصراع، وتورّطاً بتدخله العسكري في غزّة وإيران واليمن وسورية ونيجيريا، والآن فنزويلا، مع تهديدات يومية بقصف دول واحتلال أراضٍ وضمّ أخرى وابتزاز أنظمة، وكأن الأمر، بالنسبة إليه، لا يتجاوز مجرّد تحية الصباح.
ما حدث في فنزويلا ليس حادثاً معزولاً، بل حلقة في مسار خطير يُضعف ما تبقّى من النظام الدولي. وإذا استمرّ هذا الصمت، وظل العالم يغضّ الطرف عن تجاوزات رجل أهوج للقانون الدولي، يُداعب غروره ويُجاري حماقاته على حساب القانون والقيم، محاولاً إرضاء رغباته وإشباع نزواته، فإنه لا يغامر بفنزويلا وحدها، بل بما تبقّى من النظام الدولي يمنع الانزلاق نحو الأسوأ.

D6ADA755-48E0-4859-B360-83AB4BBB3FDC
علي أنوزلا

صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED).