عالم غير شجاع

25 نوفمبر 2025

توم برّاك في مؤتمر صحافي في نيويورك (11/7/2025 الأناضول)

+ الخط -

لم يعد المشهد الدولي اليوم قائماً على حضور السياسي الذي يحمل مشروعاً عاماً يُنتخَب بموجبه، ويمثّل الدولة داخل مؤسّساتها وخارج حدودها. فخلال العقود الماضية نشاهد انتقال مركز القرار نحو فاعلين يعملون خارج الحقل السياسي نفسه: رجال أعمال لا يدخلون المجال العام بصفتهم ممثّلين لمجتمعاتهم بقدر ما يشكّلون تفاصيل داخل شبكة مصالح كونية. هذا التحوّل اليوم ليس عابراً، ولم يكن من قبيل المصادفة، إنه حصيلة البنية الرأسمالية لعالم جديد، يرى الدولة مجرّد واجهة تشغيلية تحتاج إلى مدير علاقات أكثر من حاجتها إلى سياسيين ورجال دولة.
ضمن هذا التحوّل، يبرز السفير الأميركي توم برّاك بوصفه النموذج الأكثر فجاجةً. لا يمتلك معرفةً بتاريخ المنطقة أو سياستها، ولا ينتمي إلى أيّ تقليد فكري، لكنّه (وبشكل غير مسبوق وغير مُفسَّر) يتصدّر المشهد السياسي في المشرق العربي. المفارقة أنه يقدّم الخطاب الأميركي بوصفه "رجل سلام"، فيما تكشف تصريحاته استعلاءً فظّاً يُعيد إنتاج الاستعمار بلا أقنعة وبلا محاولة للتجميل. حين يختزل المشرق العربي في "قرى وقبائل"، فإنه لا يمارس جهلاً فردياً، بل يُعيد إنتاج البنية الاستشراقية القديمة نفسها: الرجل الأبيض الذي يرى المنطقة ناقصةً وتحتاج إلى إدارة. هذا المنطق يتكرّر في طريقته في مخاطبة الصحافيين (من دون خجل)، وفي القصر الرئاسي في بيروت، حين طلب منهم ألّا "يتصرّفوا بحيوانية"، لم يكن السفير الأميركي برّاك يوبّخهم بقدر ما كان يحاول تثبيت الهرم الحضاري كما يتخيّله، وبموجب قوة البطش التي يتمتع بها باعتباره سفير القوة الأكبر في العالم، وبسلطةٍ تُمارَس عبر الإهانة لتعويض غياب أيّ معرفة أو شرعية؛ إنها لحظة الاستعمار في أقصى وضوحه من دون أيّ تجميل أو محاولة إخفاء ملامح.
لكن الوجه الأكثر دلالة لهذا العالم الجديد "غير الشجاع" (على خلاف ما كتبه ألدوس هكسلي يوماً) يظهر في الوثائق التي كشفتها لجنة المراقبة في مجلس النواب الأميركي. وثيقة أو وثيقتان فقط، من بين أكثر من مائتي ألف صفحة من مراسلات جيفري إبستين أظهرت عمق الشبكة التي تربط برّاك بإبستين وبقية النُّخبة الحاكمة لهذا العالم. في إحدى الرسائل كتب إبستين لبرّاك، وطلب منه: "أرسل لي صورة لك مع الطفل… اجعلني أبتسم!"، ثمّ عاد ليعلّق بعد وصول الصور: "الصور تبدو جيّدة". هذه ليست مجرّد تفاصيل في فضائح جنسية، بقدر ما تكشف أن علاقة السلطة اليوم لم تعد تُدار في ساحات صنع القرار التقليدي داخل الدولة، بل في شبكات تتقاطع فيها المصالح والمال والجسد. شبكات تعمل خارج أيّ قانون، وتستمدُّ قوتها من نظام دولي ألغى الحدود بين الدبلوماسية والتجارة والإبادة الجماعية، بين رجل الدولة والـ"قوّاد"، بين ما هو رسمي وما هو قابل للابتزاز.
في هذا السياق، يصبح السفير توم برّاك ممثّلاً للوجه العاري للاستعمار أكثر منه ممثلّاً للسياسة الأميركية، فاعل يملك القدرة على الوصول أين يشاء وإهانة من يشاء، لكنّه في الوقت نفسه يستمدُّ سلطته من موقع هشّ يخضع لضغط شبكة إبستين نفسها. استعلاؤه لا يعبّر عن علامة قوة، بقدر ما يدلّ على هشاشة تُستخدَم أداةَ ضغطٍ داخل شبكة النفوذ التي ينتمي إليها. ما يكشفه هذا كلّه أن تراجع السياسة لا يعني فراغاً فقط، بقدر ما هو تفككٌ في معنى الدولة نفسها. الدولة التي تُدار بعقلية الصفقة تصبح شكلاً بلا مضمون، والمجتمع الذي يُعامل جمهوراً صامتاً يفقد مكانه. في لحظة كهذه، يتقدّم "عالم التجارة المافيوي" ليصنع القرار، فيما تتحوّل الدولة بمفهومها السياسي الحديث مجرّد اسم وتوقيع بلا إرادة.
حضور برّاك (باستعلائه وبجهله) هو علامة على نظام دولي استبدل السياسة بالصفقات، والشرعية بالقدرة على الحركة داخل شبكات المصالح المشبوهة في التآمر على الشعوب، وهكذا يصبح "رجل السلام" مجرّد واجهة لإعادة تدوير التراتبية الاستعمارية بوسائل جديدة، فيما تكشف الوثائق أن من يتحدّث باسم العقلانية والحداثة، ليس سوى جزء من منظومة فساد تتقاطع عندها السلطة والمال، بانتهاكات شبه علنية ضدّ النساء وحتى الأطفال.

سمر يزبك
سمر يزبك
سمر يزبك
كاتبة وروائية وإعلامية سورية
سمر يزبك