عابرون بلا أثر
(فاتح المدرس)
قُلْ لي أيّ أثرٍ تركتَ، أقلْ لك من كنتَ! إذ يمكن تكوين بعض ملامح طيفك من رسالة بخطّ يدكَ، قطعة ملابس احتفظتْ برائحة جسدكَ أو بطريقتكَ في الجلوس، خاتم وصل إليكَ منتقلاً من جيل إلى آخر، أو صورة باهتة الحواف، صادقة في تمثيلك. ذلك أن ما كنتَ تتركه من أثر كان امتداداً لوجودكَ، شهادة تقول من كنتَ، وتثبت أنّكَ كنتَ.
اليوم، يكاد هذا الأثر يختفي في أزمنة شعارها المحو والافتراض. الرسائل باتتْ رقميةً، بلا خطّ، خاليةً من الشطوب، من أيّ رائحةٍ أو بقعة حزن. رسائلنا معقّمة، طافية، تُمحى بضغطة زرٍّ، أو تضيع بتعطّل هاتف. كذا الملابس تُستهلكُ بسرعةٍ، صنعتها الآلة بلا قياس أو أثر إبرة غُرزتْ في الأصابع قبل أن تُغرزَ في القماش. لا تحتفظ بجعدة، تُشترى لتُستبدل، لتُرمى وتتجدّد مع كل فصل. حتى المجوهرات التي كانت رمزَ الديمومة والانتقال من الجدّات إلى الحفيدات، فقدتْ قيمتها، وقد صار الماس نفسه صناعياً، بلا تاريخ جيولوجي، بلا انتظار يمتدّ ملايين السنين، بلا سردية.
نحن لن نورّث أبناءنا أشياءَ خبّأناها بحرص في الخزائن أو في صندوق قديم؛ جُلّ ما سنتركه حساباتٍ في منصّاتٍ لا نعرف لها عمراً. كل ما سنخلّفه هشٌّ، مؤقّتٌ، زائلٌ، وكأنّنا نعيش من دون رغبة في أن نتذكَّر أو في أن يتذكَّرنا أحد. هذا الضياع ليس تقنياً فقط، بل هو وجوديٌّ أيضاً، لأن الأثر حين يُمحى يغيب معه الإحساس بالاستمرار. نحن لم نعد حلقةً ضمن سلسلة، لقد بتنا فقاعةً زائلةً، متبخّرةً بسرعة مقلقة. والأثر الذي يختفي باختفائنا هو علاقة حيّة بالزمن، يربط الماضي بالمستقبل ويمنح الحاضر ثقله.
ينهار اليوم هذا الجسر، إذ نعيش في زمن يُنتج الوقائع في حين يرفض الذاكرة. التحوّل الكبير هذا الذي نعيشه اليوم ليس تفصيلاً تقنياً فحسب، هو انقلاب في علاقتنا بالوجود، فيجري الزمنُ على السطح وكأنّه بلا عمق، والحاضر مكتفٍ بذاته، لا يأتي من ماضٍ ولا يتجه نحو مستقبل. لقد فقدنا قدرتنا على الانتظار، وكل ما لا يحتاج إلى وقتٍ في التكوّن لا يعلّمنا الصبر، وكل ما لا يحمل آثار الاستعمال لا يعلّمنا الرعاية. هكذا أصبح الإنسان نفسه قابلاً للاستبدال، هشّاً، مُؤقَّتاً، مثل الأشياء التي تحيط به. ضياع الأثر هو ضياع الزمن المتراكم، الزمن الذي يُثقِل الحياة ويمنحها معناها. ومن دون هذا الثقل نصبح كائناتٍ بلا ظلّ، نمرّ ولا نترك علامةً، نعيش ولا نخلّف ما يشهد علينا. هذا ما يجعل ضياع الأثر مسألةً وجوديةً، لا حنيناً رومانسياً إلى الماضي.
حين لا نترك خلفنا ما يدلّ علينا، نفقد الإحساس بأن حياتنا جزء من مسار أطول. ما لا يُحفَظ لا يُقدَّس، وما لا يُعمّر لا يُحترَم. وهكذا تتسرّب هذه الهشاشة إلى العلاقات، إلى الذاكرة، إلى نظرتنا لأنفسنا. نحن نعيش اليوم في عالم يُكافئ الزوال السريع، ويعاقب ما يريد أن يدوم. عالم يخشى الشيخوخة، التراكم، العلامات، لأنها تذكّر بأن الزمن حقيقي، وبأننا لسنا خارجَه. ضياع الأثر هو في النهاية محاولة للعيش من دون ظلٍّ، من دون مواجهة فكرة الفناء.
إلا أن سؤالاً يفرض نفسه: ماذا يعني أن نعيش حياةً لا تشهد علينا بعد غيابنا، وهل يمكن للإنسان أن يحتمل وجوداً بلا أثر، بلا ذاكرة؟ قد يبدو هذا التوصيف قاسياً، لكنّ الأثر لا يُستعاد بالحنين، بل بإعادة الاعتبار للبطء، للتراكم، لما يحتاج زمناً كي يتكوّن. فوحده ما يُعطى وقتاً يمتلك فرصة البقاء.