ضرب إيران والحرب الإسلامية الباردة؟

14 يونيو 2025   |  آخر تحديث: 02:53 (توقيت القدس)

أثار دمار في موقع استهدفته إسرائيل في العاصمة طهران (13/6/2025 Getty)

+ الخط -

استمع إلى المقال:

على الأرجح، فتحت الضربة الإسرائيلية (فجر أمس الجمعة) لإيران باب مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة، وصولاً إلى صراع عالمي مفتوح على "تمثيل الإسلام"، صراع أشار إليه كاتب هذه السطور في مقال سابق بعنوان "دولة البكتاشية... حرب تلوح في الأفق" ("العربي الجديد"، 17/10/2024)، تناول المنشور في "نيويورك تايمز" و"بي بي سي" و"يورو نيوز" عن دولة للطائفة البكتاشية تعبّر عن إسلام ليبرالي "يعترف بإسرائيل". وبعدها قال بنيامين نتنياهو إن الضربة العسكرية لإيران "دفاع عن السّلام وعن حلفائنا الذين نريد توسيع اتفاقيات السّلام معهم".

وما تشفّ عنه العبارة أن إسرائيل على قناعة بأنها أصبحت في حاجة ماسّة غير مسبوقة إلى "إسلام" يحمي وجودها، وهو متغيّر نضجت ثمرته اليوم، لكنّ بذرته غُرِسَت منذ سنوات وتتعهّدها بالرعاية (بسخاء شديد) دول أصبحت تربط وجود أنظمتها السياسية باقيةً في قيد الحياة بإحداث "تغيير جذري" في الإسلام، وثمّة قوس تمتدّ من باريس إلى نيودلهي (مروراً بعواصم عربية مؤثّرة) أصبحت مقتنعةً بأنّ اقتلاع جذور الإسلام السياسي (ضمنه حركة حماس) شرطٌ للبقاء، لا مجرّد شرط لحماية الأمن أو حماية المصالح. وبعض الأطراف الفاعلة في تحالف نيودلهي - باريس تدفع بسخاء في دول إسلامية كُبرى لشراء "الحقّ في احتواء مؤسّسات الخطاب الديني"، وهي الأكثر جموحاً في التوجّه نحو "تغيير الإسلام" ليتواءم مع "السردية الإسرائيلية" من ناحية، ومع عموم المسلمين، والقسم الأكبر من علماء المسلمين، من ناحية أخرى، وهو انقسام يتعمّق ويمهّد لـ"حرب باردة إسلامية - إسلامية"، ستكون لها عواقبها.

والخريطة ليست جسداً ميّتاً يمكن انتهاك حرمته من دون ردّات فعل، فالمواقف المقابلة التي يمكن القول إنّها تتمحور حول تركيا، تبدي قدرةً على الصمود في مواجهة الموجة العاتية، وتقترب وتبتعد بعض الدول منها على نحوٍ متفاوت، وما سعت إليه لفترة دول مثل ماليزيا وباكستان وأفغانستان، يعني أن الاستقطاب مرشّح للاتساع، خاصّة أن عملية التغيير تترافق مع عملية إبادة جماعية في غزّة، يجري تبريرها بشعار "اقتلاع الإرهاب"، ويجري التواطؤ معها في العديد من العواصم العربية والإسلامية تحت شعار "الواقعية السياسية".

بنية المعركة ستبقى من دون تغيير، ما لم تربح إسرائيل وحلفاؤها "الحرب الإسلامية - الإسلامية الباردة"

وفي قلب المعركة ميدانان يبلغان الغاية: مناهج الدراسة والسيطرة الحكومية على الخطاب الديني وتأميمه وأمنَنَتُه و"صهينته". والمعركتان مستمرّتان في هذا السبيل بخطوات لا تنقصها القسوة. وفي مرحلة كانت فيها إسرائيل تطرح سيناريوهات عمّا بعد الحرب، كانت تؤكّد حتمية تغيير مناهج الدراسة في غزّة لتنتج جيلاً يقبل بوجود إسرائيل. وألاعيب "التفكيك" و"إعادة التعريف" و"إعادة التصنيف" لم تتوقّف منذ سنوات، تارّة بالاستخدام المُغرِض لـ"الرابطة الإبرهيمية"، وتارّة بالبحث عن نقاط التقاء بين الإسلام والسردية الصهيونية، وتارّة بتأكيد أن الواقعية السياسية تقتضي قبول الدور "المذلّ"، الذي تخطّط إسرائيل لجعله مصير شعوب المنطقة كلّها.

وممّا ينبغي الوقوف أمامه بجدّية شديدة، ما لخصّ به المتحدّث العسكري الإسرائيلي موقف إسرائيل بعد ساعات من بدء الضربة (عبارة يراها كاتب هذه السطور صحيحةً ودقيقةً): "إسرائيل وصلت إلى نقطة اللاعودة"، ولا يعني أنه من الحتمي أن تنتصر، بل يعني أنها تحت تأثير غريزتَي الخوف والطمع. الخوف على الوجود، والطمع في تغيير المنطقة جذرياً، لكن ما يمكن أن يحقّق شروط الأمن الإسرائلية، ليس سوى تدمير القدرات العسكرية في جزءٍ واسع من خريطة المنطقة، وهو فخّ لن تدرك خطورته الآن. فقد كانت "القدرات العسكرية" لعدد من دول المنطقة الرئيسة ضماناً أساسياً لأمنها، بل لوجودها، فالشعوب عجزت خلال 70 عاماً عن دخول معترك الدفاع عن الشعب الفلسطيني، لأسباب في مقدّمتها الخوف من مواجهة جيوشها الوطنية، وما يحدث الآن قد يغيّر المعادلة، ويفتح الباب لاحتمال (مجرّد احتمال) أن تجد إسرائيل نفسها في مواجهة تحرّكات شعبية غير خاضعة لسيطرة أنظمة حليفة.

والإحساس العميق بأن الدافع العقائدي (وبالتحديد الإسلامي) يشكّل المصدر الرئيس لتهديد وجودها، سيضفي مصداقيةً على موقف حركات الإسلام السياسي، وعلى الخطاب الديني الذي تُدفع الآن أموال مهولة لاقتلاعه من المجتمعات العربية والمسلمة، والحلول العسكرية قد تؤجّل المصير الإسرائيلي المحتوم، لكنّ بنية المعركة ستبقى من دون تغيير، ما لم تربح إسرائيل وحلفاؤها "الحرب الإسلامية - الإسلامية الباردة"، واحتمال أن يربح هذا التحالف هذه المعركة أقرب إلى المستحيل، وإسرائيل ليست وحدها التي وصلت نقطة اللاعودة.