زهران ممداني... عودة الاعتبار لليسار
مسلمون في نيويورك يحتفلون بفوز زهران ممداني عمدة للمدينة (4/11/2025 الأناضول)
مع تفهّمنا حال البهجة لدى العرب والمسلمين بفوز زهران ممداني عمدةً لنيويورك، لأنه مسلم ومناصر قويٌّ للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، علينا ملاحظة أن الرجل فاز، ليس لأنه قدّم نفسه مسلماً فقط، فهذا لن يكون كافياً للفوز الساحق الذي حقّقه، خصوصاً إذا علمنا أن نسبة المسلمين في نيويورك أقلّ من 10% من مجموع سكّانها. جاء فوز ممداني لأنّ صفاتٍ عدّةً اجتمعت في شخصه وخطابه، وأسباباً أكسبته ما له من شعبية لدى سكّان المدينة الأهم في العالم، أقلّه من المنظور الاقتصادي. فممداني مسلم من أصول هندية مولود في أوغندا. وفي مواجهة الحملة المضادّة التي نالت منه متهمة إياه بمعاداة السامية، حرص ممداني، وهو يخاطب الكتلة الانتخابية اليهودية في نيويورك، على التمييز بين اليهودية ديانةً والصهيونية حركةً عنصريةً شوفينيةً، فاضحاً ما يُرتكب من فظائع ضدّ الفلسطينيين في غزّة.
ممداني أيضاً لم يتجاوز 34 عاماً، عُرف بموهبته في غناء "الهيب هوب"، موهبة تبدّت في طبيعة حملته الانتخابية التي حرص على ألّا تكون مدعومةً من اللوبيات والشركات، على جاري العادة في أميركا، واعتمد على طاقات متطوّعين شبّان مثله، رأوا فيه نموذجاً لمن هم في مرحلته العمرية، لبساطته وذكائه وطموحه، وحرصه على تقديم خطاب شبابي جديد غير مألوف، فنافس ساسةً عجائز، أبعد ما يكونون عن مزاج الأجيال الشابة، بمن فيهم منافسه مرشّح الحزب الديمقراطي لمنصب العمدة، أندرو كومو، حاكم الولاية السابق، الذي شاء ألا يستسلم بعد خسارته أمام ممداني في الانتخابات التمهيدية، فقرّر الترشح مستقلاً في مواجهته، ولكن ممداني هزمه، ومعه المرشّح الجمهوري، شرّ هزيمة.
لا يقلّ أهميةً عن تلك الأسباب، بل يزيد عليها أهمية، أن ممداني مناضل اشتراكي تبنّى برنامجاً انتخابياً جذب إليه الفئات المهمّشة والعاملة والشرائح الوسطى، التي بعث في نفوسها الأمل في تحقيق ما تتطلّع إليه أو بعضه، إذ تضمّن هذا البرنامج وعداً بالعمل على فرض الضرائب على الأغنياء، وضمان الحقوق الأساسية لمواطني مدينته في العمل والعلم والصحّة والنقل والسكن، من خلال تجميد الإيجارات، وبناء مساكن ميسورة التكلفة، وتأمين مواصلات مجّانية، ورفع الحدّ الأدنى للأجور وغيرها من الحقوق.
واجه ممداني تحدّيات كبيرة، بدءاً من خوضه سباق الفوز بترشيح حزبه، وهو الحزب الذي لا تطيق قيادته النافذة مرشّحاً ببرنامج ممداني، ولكنّه كسب السباق، وكان هدفاً لهجوم جمع بين العدوانية والتهديد من الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، بلغته الوقحة المعتادة، فدأب على وصفه بـ"الشيوعي"، لإثارة فزع الناخبين منه ومن برنامجه. لكن ما كان لهذا الهجوم أن يقلّل من فرص فوز ممداني، فما حدث هو العكس، ليس لأن القاعدة الانتخابية الواسعة، خاصة من المهاجرين، ضاقت ذرعاً بالخطاب العنصري لترامب فقط، وإنما أيضاً لأن ترامب هو أحد أبرز وجوه الأوليغارشيا المالية الفاسدة التي يستهدفها البرنامج الانتخابي لممداني، فجاء فوزه صفعةً مدوّيةً لترامب ولمن يمثّلهم، بمن فيهم اللوبي الصهيوني في نيويورك وأميركا عامةً، الداعم الأكبر لحرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضدّ سكّان غزّة.
لفت فوز ممداني النظر إلى الوجه الآخر، المُغيّب أو غير المرئي كفاية في أميركا، وجه الخطاب اليساري الناقد للنهج النيوليبرالي الذي مثّله فكرُ نعوم تشومسكي، وخطابُ السيناتور بيرني ساندرز، وعددٌ من وجوه يسار الحزب الديمقراطي، وبعضهم من أصول عربية وأفريقية وآسيوية. ويزيد من أهمية هذا الفوز في مدينة مهمة (نيويورك) توقيته في الفترة التي شهدت صعود اليمين الشعبوي، المتطرّف والمتغطرس، بقيادة ترامب في عدائه المهاجرين وارتهانه للوبي المالي الصهيوني، كما أن هذا الفوز يضع الحزب الديمقراطي المنقسم على نفسه، الذي ينتمي إليه ممداني، أمام تحدٍّ كبير، لأن خطاب الحزب بات متماهياً مع الجمهوريين على الصعيدَين الداخلي والخارجي، وليس أدلّ على ذلك من موقف إدارة بايدن السابقة من العدوان الإسرائيلي على غزّة، وتقديمها كل أوجه الدعم، وأشكال المؤازرة كلّها، لحكومة اليمين الصهيوني بقيادة نتنياهو.
علينا أن نرى في انتصار ممداني علامة على أن تغوّل اليمين الشعبوي والنهج النيوليبرالي لا في أميركا وحدها، وإنما في أوروبا والعالم، يؤكد الحاجة، مجدّداً، إلى دور اليسار في التصدي لهذا التغوّل.