درس من ملفّات إبستين

03 فبراير 2026

محتج قرب الكونغرس في واشنطن بعد تصويت على قانون الشفافية لملفات إبستين (18/11/2025 Getty)

+ الخط -

لا يوجد شيء واحد اسمه "الغرب"؛ لا كتلة صلبة يمكن الإشارة إليها ووصفها حصراً بهذا الاسم. لكن للكلمات حمولات، ومدلولات. مفردة "الغرب" في سياقنا العربي الإسلامي تعني (باختصار قد يكون مخلّاً) المستعمِر المتفوّق. المستعمِر الذي لم يكفّ يوماً عن نهبنا، لكنّه طوّر أدواته؛ فتحوّل من "الاستعمار الخشن" عالي التكلفة، إلى "المستعمِر الذكي" الذي ينهب ويُحمّل ضحاياه فاتورة نهبها. وفي الوقت ذاته، هو "المتفوّق" الذي سمح له سبقه بأن يكون الأقوى، ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً واجتماعياً وحضارياً. هذه الازدواجية تضعنا في مأزق: فالاستعمار يستدعي المقاومة، بينما التفوّق يستدعي التعلم. والخلط بينهما هو الفخّ الذي يقع فيه "حراس التخلّف" في بلادنا، الذين يرفضون أسباب القوة الغربية بذريعة رفض الهيمنة، فيخدمون بذلك أجندة المستعمِر من حيث لا يشعرون.
لستُ بصدد التحقيق في فضيحة جيفري إبستين شديدة الوضاعة والانحطاط، فهي (في نهاية التحليل) أحد تمظهرات "التزاوج الفاسد" بين ثراء المال وجبروت النفوذ. ما يعنينا السؤال المؤلم: ماذا لو كانت الفضيحة نفسها في سياق عربي؟... ربّما لسنا سادة العالم، وليس لدينا دولة تدير الكوكب، لكن لدينا من سوء توزيع الثروة ما يصنع معادلة "المليارديرات والجياع". هذه المعادلة تسمح بممارسات فوق استعبادية: استجلاب القُصَّر، المتاجرة بأجسادهن، واغتصابهن. هذا يحدث (وقد يحدث) في بلادنا، لكن السؤال الجوهري: هل تمتلك مجتمعاتنا "الفاعلية" اللازمة لاكتشاف الفضيحة واتهام الفاعل الملياردير المحمي بشبكات السلطة؟ الإجابة القاطعة: لا. فضائحنا محميةٌ بقوانين فُصّلت للأقوى، أو بنفوذ مغلق لا يسمح بمرورها، أو بتأويلات دينية وسياسية تبرّر الجريمة (أو تسترها) إذا ما كشفتها تقارير أجنبية.
من هنا نفهم ردّات الفعل التي تحاول إثبات "أفضلية أخلاقية" لنا، بوصفنا "الشرق المسلم" الذي تحميه عقيدته من هذا الانحطاط. ويتناسى أصحاب هذه القراءات بداهات تفيد بأن الحصن العَقدي يحمي من يحتمي به، لا من يقف أمامه زاعماً حمايته فيما يستفيد من تجاوزه. وأن الأديان والشرائع والفلسفات والأفكار مهمّتها (في بعدها القيمي) التحجيم لا المنع الجبري؛ فلا شيء يمنع قوياً ثرياً مُغترّاً من اختيار الشرّ. يقول تعالى: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا". تعاليم الدين رادع داخلي يخاطب الضمير الفردي، لكنّها على المستوى الجمعي تظلّ عاملاً مساعداً لا حامياً وحيداً. ما يردع المجتمعات حقّاً هو "قوتها" المتمثلة في: الحريات، القدرة على الكشف، الصحافة، والمحاسبة القضائية. هذه المنظومة هي التي تضمن تحجيم الضرر وتصحيح المسار، مهما كان الثمن.
بدأت ملفّات إبستين منذ 2002 باتهامات فردية، ثم تطوّرت إلى مسار فيدرالي في 2008 انتهى حينها بتسوية مشبوهة عكست خللاً سمح للنافذين بالإفلات. لكن… لأن النظام يمتلك آليات تصحيح ذاتي، لم يُحرم الضحايا من حقّ مطاردة حقوقهم، وهو ما أثمر القبض على إبستين في 2019، ثم إدانة شريكته ماكسويل، وصولاً إلى نزع السرية عن آلاف الوثائق في 2024. ثم ملايين الوثائق في 2026، ورغم الجدل المستمرّ حول الانتقائية في النشر، فإن النتيجة النهائية هي قدرة المجتمع على الملاحقة، والفضح، والتعرية.
من هنا يمكننا الإجابة عن سؤال: لماذا ينتصر الغرب علينا؟ ليس بـ"نقاء السريرة"، بل بـ"شجاعة الفضيحة" ومأسستها، قوة الغرب ليست في عصمته من السقوط، بل في قدرته على النهوض. هم يمتلكون آليات المحاسبة التي تجعل من الجريمة فرصةً للتصحيح، ونحن نمتلك آليات التبرير والتمرير التي تجعل من الجريمة "نظاماً"، وأحياناً "مصلحةً وطنيةً"، درس إبستين ليس في الرذيلة الغربية "حصراً" كما نتوهّم، بل في الفاعلية؛ فالمجتمعات الحيّة ليست تلك التي لا تمرض، بل التي تملك "جهاز مناعة" يطرد السموم. هم ينتصرون علينا لأن لديهم حُمّى التعافي، أما نحن فتهزمنا برودة الإنكار.

3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان
محمد طلبة رضوان