خطوة إلى الأمام... خطوتان إلى الوراء
ما من أمّةٍ مثلنا تواجه معضلة الثنائية الحادة بين الحداثة والتقليد، أو ما يطلق عليه بنو قومنا: الأصالة والمعاصرة. صحيحٌ أنّ الأمم الأخرى التي أنجزت نهضتها طرحت في البدايات هذه الثنائية على نفسها، لكنها سرعان ما تجاوزتها، بأن زجّت نفسها، بكل شجاعة وإقدام، في أتون الحداثة، من دون أن تجد نفسها مضطرّة لأن تنقطع عن جذورها.
الخطأ الأكبر الذي وقعنا فيه أننا تعاملنا مع الحداثة بوصفها هوية ثقافية بديلة، لا بوصفها منهجاً في التفكير وإدارة المجتمع والدولة، فالحداثة، في جوهرها، ليست زياً أوروبياً، ولا لغة أجنبية، ولا شكلاً معمارياً، وإنما هي طريقة في تنظيم الحياة على أساس العقل، وسيادة القانون، واحترام المعرفة، وإطلاق حرّية البحث والاجتهاد. ولهذا استطاعت شعوب كثيرة أن تدخل العصر الحديث وهي تحتفظ بلغاتها وطقوسها وذاكرتها الجماعية، لأنّها أدركت أن التحديث لا يعني اقتلاع الجذور، وإنما تحريرها من أثقال التاريخ التي تمنعها من النمو. لكننا ما زلنا ندور في دوامة هذه الثنائية بشكل مَرضي، يبلغ حد الانفصام. نخطو خطوة إلى الأمام، يعقبها، بعد حين، خطوتان إلى الوراء، موجة عابرة تأخذنا إلى فضاء من فضاءات الحداثة حتى نحسب أننا وضعنا أقدامنا على عتبتها، وربما ولجنا الباب، تليها موجة عاتية أخرى تعيدنا، بقسوة وعنف، قروناً إلى الوراء.
من النادر أن نجد خريطة طريق واضحة لا تضعنا أمام واحد من خيارين، الحداثة أو التقليد، لتقول لنا إنّ الأمم النابهة لم تجد بينهما تناقضاً حين عرفت أن تغربل الماضي، وتكبح سطوته، وأن "تنسى" منه تلك الحقب السود، التي إن ظلّت يقظة لن تقوم للحاضر وأهله قائمة، فأبقتها حكايات في كتب التاريخ، إن جرى الانتباه لها، فمن باب التحذير بالصوت العالي: حذار ثم حذار، فطرق مثل هذه، إن عدنا السير عليها لن نبلغ سوى الدمار الذي عطّل تطورنا قروناً، وها هي تفعل الأمر نفسه اليوم، أينما ولينا شطرنا في عالمنا العربي المنكوب.
غلاة ما يوصف، خطأً، بالأصالة يريدون منا أن نظل خارج عصر يفرض شروطه على القاصي والداني، في ظل تدويل غير مسبوق في الاقتصاد والسياسة والثقافة ووسائل الاتصال والإعلام وأنماط العيش. وغلاة من يصفون أنفسهم بالحداثيين، لا يرون سوى النموذج الغربي طريقاً. والنموذج الغربي في بعض أوجهه كوني، حيث هناك قيم إنسانية كبرى كالديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح وإعلاء العلم ونبذ الخرافة لا تخصّ الغرب وحده وإنما تخص كل بني البشر، ولكن هناك "حداثات" وليس حداثة وحيدة حتى نكره أنفسنا على الأخذ بها.
هناك حداثة يابانية، وحداثة صينية، وغيرهما. اليابان، مثلاً، لم تصبح حديثة لأنّها تخلت عن تراثها، وإنما لأنّها أعادت قراءته في ضوء متطلبات العصر. احتفظت بإرثها الثقافي، لكنّها أعادت بناء مؤسساتها التعليمية والإدارية والعلمية، فكان التقليد فيها مصدر إلهام، لا قيداً يكبل المستقبل.
سيقول قائل: هذه بلدان لا يحكمها المسلمون. حسناً. ماذا عن تجربة الحداثة الماليزية؟ أليست ماليزيا بلداً إسلامياً نجح في التوفيق بين هويته وبين الحداثة، دون أن يبتلى بحال الانفصام التي نعاني منها، وقدم نموذجاً يحتذى. والمفارقة أن الفكر العربي الحديث لم يكن فقيراً بالرؤى التي سعت إلى تجاوز هذا الاستقطاب. فمنذ القرن التاسع عشر برزت مشاريع إصلاحية رأت أن النهضة تبدأ بإصلاح التعليم، وتجديد الخطاب الديني، وإقامة دولة القانون، والانفتاح على العلوم الحديثة، من دون التفريط بالهوية الثقافية. غير أن هذه المشاريع بقيت، في معظمها، رهينة النخب، ولم تتحول إلى مشروع مجتمعي شامل، فظلّ المجتمع يتأرجح بين تيارين متقابلين، أحدهما يخشى المستقبل لأنّه يراه تهديداً للماضي، والآخر يحتقر الماضي لأنه يراه عائقاً أمام المستقبل، فضاع الحاضر بينهما.
الأزمة، في حقيقتها، ليست أزمة تراث ولا أزمة حداثة، وإنما أزمة عقل لم يحسم بعد علاقته بكليهما. فلا مستقبل لأمة تلغي تاريخها، ولا مستقبل أيضاً لأمة تجعل من تاريخها سجناً دائماً للحاضر.