حين ينسحب النقد
(محمود حماد)
ثمّة فرقٌ دقيق، لكنّه حاسم، بين أن يقترب المتلقّي من النصّ الأدبي ليصغي إليه وأن يقترب منه ليدينه. ذلك الفرق هو المسافة الأخلاقية التي يقف فيها الناقد، لا بوصفه قاضياً يلوّح بالأحكام، بل قارئاً عارفاً يضع النصّ تحت ضوءٍ كاشف، لا ليحرقه، بل ليراه على حقيقته. النقد، في جوهره، تمرينٌ على النزاهة، وعلى تعليق الهوى الشخصي عند باب القراءة، وعلى بذل جهدٍ عقلي وجمالي للوصول إلى معنىً أعمق من الانطباع الأول. أمّا الانتقاد، فهو موقفٌ مُسبق، يذهب إلى النصّ مسلّحاً بالريبة، ويغادره منتشياً بما اصطاده من عيوب، غير معنيٍّ بما قد يكون فيه من جمال أو اجتهاد أو مغامرة.
والنقد ليس مجرّد كتابة عن كتاب، ولا هو استعراض عضلات لغوية أو ثقافية، لكنّه فعلُ معرفة ومسؤولية، وعلاقة احترام مُتبادَل بين قارئ متمرّس ونصٍّ يطلب من يقرؤه بإنصاف. والناقد الحقيقي لا يبحث عن الحقيقة المطلقة، لأنه يعرف هشاشتها، لكنّه ينحاز إلى أقرب موضع يمكن للعقل أن يقف عنده مطمئنّاً، ويكتب من هناك بوعي أن كل قراءة هي اقتراح، وكل حكم قابل للمراجعة. لذلك يبدو النقد، حين يكون حيّاً، أقرب إلى حوار طويل مع النصّ، لا إلى تقرير عابر عنه.
غير أن هذا النوع من الكتابة أخذ يتراجع، لا لأن النصوص الإبداعية شحّت، بل لأن المساحة التي كان يتحرّك فيها النقد ضاقت، ولأن الصبر على القراءة المتأنية أصبح ترفاً لا يرغب كثيرون في ممارسته. وقد حلّت التدوينات السريعة محل المقالات النقدية، فتحوّل الرأي العابر حَكماً، والمزاج الشخصي معياراً، وكأنّ النصوص تُقرأ على عجل، لا لتُفهم، بل لتُستهلك، ثم تُرمى في سلّة النسيان. صار الكاتب يتلقّى ردوداً سريعةً، إما مديحاً مفرطاً وإمّا ذمّاً قاسياً، وكلاهما لا يضيف إلى تجربته شيئاً يُعتدّ به.
أفقد هذا التحوّل الساحة النقدية عمقها، وأضعف العلاقة بين المبدع والقارئ، لأن القدرة على التمييز تضعف، حين يغيب النقد، ويتساوى الجهد العميق مع النصّ الكسول، وتختلط المغامرة الفنّية بالمحاكاة السطحية. النقد ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة لحماية الذائقة، ولتدريب العين على الرؤية، ولمنح النصوص فرصةً عادلةً لتُقرأ خارج الضجيج.
وما نقرؤه اليوم في منصّاتٍ كثيرة ليس نقداً، وإنما انفعالات مكتوبة على عجل، تفتقر إلى السياق، وتستسهلّ إطلاق الصفات، وتتعامل مع العمل الإبداعي كما لو كان منشوراً عابراً لا تجربة إنسانية مُعقّدة. يغيب السؤال، ويغيب التحليل، وتحضر النبرة الحادّة، كأنّ القسوة دليل ذكاء، وكأنّ التقليل من شأن النصّ يمنح كاتبه سلطةً وهمية.
النقد، في معناه الأصيل، فعل محبّة صارمة: محبّة لا تجامل ولا تتشفّى؛ محبّة ترى النقص فتسمّيه، وترى الجهد فتشير إليه، وتضع العمل في سياقاته، الثقافي واللغوي والجمالي، من دون ادّعاء امتلاك الحقيقة النهائية. وهو، قبل كل شيء، تدريب على التواضع، لأن الناقد يعرف أن النصّ قد يخذله، وقد يفاجئه، وقد يقاوم قراءته، ومع ذلك يظلّ جديراً بالإنصات.
إعادة الاعتبار إلى النقد ليست مهمّة النقاد وحدهم، بل مسؤولية ثقافية مشتركة، تبدأ من احترام الكتابة، وتمرّ بتقدير الوقت اللازم لقراءتها، وتنتهي عند الإيمان بأن الأدب لا ينمو في بيئة التصفيق الأعمى، ولا في مناخ الإدانة السهلة، بل في مساحة واعية تسمح بالاختلاف، وتحتمل النقاش، وتمنح المعنى فرصةً لأن يتشكّل ببطء.
حين يعود النقد بوصفه ممارسةً معرفيةً وأخلاقية، سنستعيد قدرتنا على الإصغاء، وسنميّز بين من يكتب ليهدم ومن يكتب ليفهم، وبين من يلوّح بالسكّين ومن يحمل المصباح. عندها فقط يمكن للنصوص أن تتنفّس، وللثقافة أن تمشي بخطىً أقلّ ضجيجاً وأكثر رسوخاً.