حركات اجتماعية وليست مجتمعاً مدنيّاً

26 يوليو 2026

(ياسر صافي)

لا يمكن وصف الحركات الاجتماعية الواسعة في عالمنا العربي، التي تبرز، في الغالب، على هيئة تيارات دينية أو عشائرية وقبلية وسواها، بأنها مجتمع مدني بالمعنى الذي استقرّ عليه هذا المفهوم في الفكر السياسي الحديث، فلا يصحّ اعتبار حركات فضفاضة، تتحرّك، في أحيانٍ كثيرة، بإرادة مرشد روحي أو زعيم قبيلة أو شيخ طائفة، جزءاً من الفضاء الذي اصطلح على تسميته المجتمع المدني.

يتعلق الأمر بطبيعة البنية الاجتماعية والسياسية التي تتحرّك داخلها هذه القوى، فالمجتمع المدني، في أدبياته الكلاسيكية والحديثة، شبكة من المؤسسات والجمعيات والنقابات والهيئات والروابط التطوعية التي تنشأ بإرادة أعضائها، وتتمتّع بقدر من الاستقلال عن السلطة السياسية وعن البنى التقليدية التي تحكم العلاقات الاجتماعية، كالقبيلة والطائفة والعائلة أو المذهب. وليس من قبيل المصادفة أن يربط هيغل بين المجتمع المدني والمجال الذي تتوسّط فيه المؤسّسات بين الفرد والدولة. أما غرامشي، فقد منح المفهوم بعداً إضافياً عندما اعتبر المجتمع المدني ميداناً للصراع الثقافي وإنتاج الهيمنة أو مقاومتها، لا مجرّد فضاء للخدمات أو الأنشطة التطوعية.

ولأنّ الأمر كذلك، تبدو صفة الحداثة شرطاً أساسياً في توصيف المجتمع المدني، لا بمعنى إنكار الخصوصيات المجتمعية والثقافية، وإنما بمعنى أن تكون هذه المؤسسات معبّرة عن أفق مستقبلي، وقدرة المجتمع على إنتاج تنظيماته بصورة مستقلة، لا أن تبقى خاضعة للكوابح الاجتماعية والسياسية التي تعيق فكرة المواطنة أو ترفضها جملة وتفصيلاً.

يفرض هذا السؤال نفسه بقوّة عند تأمل مظاهر الحراكين، السياسي والاجتماعي، في البلدان العربية خلال العقود الأخيرة. فقد شهدت المنطقة انحساراً واضحاً لدور الأحزاب التي رفعت شعارات الحداثة، قومية كانت أو يسارية أو حتى ليبرالية، مقابل صعود قوى أخرى نجحت في استقطاب قطاعات واسعة من المجتمع، غير أن هذه القوى، على الرغم من حداثة انخراطها في العمل السياسي المنظم، لا يمكن وصفها بأنّها حديثة بالمعنى الفكري أو المؤسّساتي، فهي تستند، في الغالب، إلى شبكات تقليدية من الانتماء المذهبي أو المرجعية الدينية أو القرابة القبلية أو العشائرية أو حتى المناطقية، وتستثمر أدوات العصر وتقنياته من أجل إعادة إنتاج أنماط قديمة من التنظيم والسلطة، ولعلّ الأدق القول إنّها تمثل شكلاً من "التقليدية الجديدة"، أي التقليد وقد أعيد تشكيله في ظروف التحديث، لا التحديث ذاته.

لا تقتصر هذه الظاهرة على العالم العربي وحده، فقد رأى علماء اجتماع أنّ الحركات الاجتماعية الجديدة لا تتحدد فقط بمطالبها الاقتصادية أو السياسية، وإنّما أيضاً بهوياتها الثقافية ورموزها الجماعية، لكنّ الفارق الجوهري يكمن في أنّ كثيراً من الحركات الاجتماعية في الديمقراطيات الحديثة تنشأ دفاعاً عن حقوق جديدة، كالبيئة أو حقوق المرأة أو الحريات الفردية، بينما تنطلق قطاعات واسعة من الحركات في مجتمعاتنا من مرجعياتٍ تستدعي الماضي باعتباره النموذج الأمثل للمستقبل.

ومن هنا تبرز إشكالية استعارة مفهوم المجتمع المدني ومحاولة إسقاطه على واقع مختلف تاريخياً واجتماعياً. فحين نفعل ذلك سنجد أنّ قطاعات واسعة من القوى الفاعلة في مجتمعاتنا تظلّ خارج التعريف، ليس لأنّها هامشية، بل لأنّها لا تستوفي الشروط التي يفترضها المفهوم. ولهذا يقترح بعض الباحثين وصفها بـ"الحركات الاجتماعية"، فهو مفهوم أكثر اتساعاً وقدرة على توصيف القوى الناشطة، فهي حتى لو امتلكت قدرة كبيرة على الحشد والتعبئة، فإنّها لا تنتج مجتمعاً مدنياً، لأنّها تبقي الفرد أسيراً للانتماء الأولي، بينما يقوم المجتمع المدني على إدخال الفرد في فضاء المواطنة والمؤسسات العامة.

المأزق الذي تواجهه بعض الحركات الاجتماعية العربية يبدو أكثر تعقيداً من مجرد ضعف البنية التنظيمية، فهي تحمل في داخلها تناقضاً بين القاعدة الاجتماعية ومن يقودها. القاعدة تنخرط في الحراك بدافع مطالب معيشية ملحة، تتعلق بالعدالة الاجتماعية وفرص العمل وتحسين مستوى الحياة والكرامة الإنسانية، بينما تميل القيادات، في كثير من الأحيان، إلى توجيه هذا الزخم نحو مشاريع ذات طابع محافظ، تستهدف استعادة أنماط السلطة التقليدية أكثر مما تستهدف بناء مؤسسات حديثة.

كاتب وباحث من البحرين، صدرت له مؤلفات في قضايا الخليج، الثقافة، الأدب، السيرة، اليوميات، وغيرها
حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين، صدرت له مؤلفات في قضايا الخليج، الثقافة، الأدب، السيرة، اليوميات، وغيرها.