حرب بلا رصاص
بدأت إسرائيل بإعلان حرب الجوع على غزّة منذ فرضت حصاراً شاملاً على القطاع في الثاني من شهر مارس/ آذار المنصرم، بعد فشل مفاوضات تمديد وقف إطلاق النار الذي استمرّ ستّة أسابيع. ومنعت دخول البضائع والمساعدات الإنسانية منعاً باتاً حتى أواخر شهر مايو/ أيار الماضي، إلى أن بدأت بالسماح بدخول شاحناتٍ قليلة تحمل بعض المساعدات الغذائية والبضائع التي يشتريها التجّار، ولا تفي بأدنى احتياجات القطاع من الغذاء اليومية. وشهد القطاع تناقصاً في عدد سكّانه بنسبة 10% ممّا كان عليه في بداية هذه الحرب، ورغم ذلك ما زال من الأعلى كثافة سكّانية على مستوى العالم مقارنة بمساحته الجغرافية. وبينما تصرّ إسرائيل على حصر السكّان في مساحات ضيّقة مع ظروف معيشية سيئة، تتفاقم الأوضاع الإنسانية بصورها كلّها.
يبدو أن سلاح التجويع، الذي تستخدمه إسرائيل ضدّ غزّة، قد أصبح مؤشّراً على أن الحرب دخلت مراحلها الأخيرة، فقد سجّل تراجعاً في وتيرة القصف وطبيعته، ما أدّى إلى تراجع الاهتمام الإعلامي بما يحدث في هذه البقعة المنكوبة، إلا أن هذا التراجع ترافق مباشرة مع ارتفاع أعداد القتلى بسبب الجوع والتدافع للحصول على المساعدات التي تُوزَّع تحت غطاء إنساني من مؤسّسات دولية، لكنّها في الحقيقة مصايد وفخاخ للموت.
يُسجّل عدد القتلى يومياً بالعشرات، إلا أنهم قتلى مسكوت عنهم أمام الروايات والفيديوهات المفبركة التي ينشرها الاحتلال، التي تزعم أنه لم يتعمّد إطلاق النار على الجوعى المتدافعين بأعداد مهولة نحو نقاط توزيع المساعدات، كما يُتعمَّد التغطية على أعداد وظروف موت المُجوَّعين الذين يُقتلون بصمت في الخيام، فيرحلون نتيجة حتميّة لسياسة ممنهجة أصبحت مساراً جديداً في الحرب على غزّة.
إذا كانت حرب الجوع هي المرحلة الجديدة (أو الأخيرة) من الحرب، كما يرى محلّلون سياسيون، وعلى اعتبار أن هدف نتنياهو الحقيقي تثبيت إسرائيل وتقويتها، ومنع ذوبانها في محيط أمني غير مستقرّ مع الشعب الفلسطيني بفصائله كلّها، فإن انتهاجه أسلوب التجويع يؤشّر إلى محاولة خطيرة لتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرّر إلى قضية إنسانية واقتصادية. ويتّضح ذلك مع التلويح المستمرّ بمشروع "المدينة الإنسانية" في رفح، الذي يقع ضمنه توفير الحدّ الأدنى من الغذاء للسكّان المنهكين والمُجوَّعين، الذين تتدهور أوضاعهم المعيشية يوماً بعد يوم، إلى درجة أن كثيرين يعبّرون عن استعدادهم للانتقال طوعاً إليها، كما يتبيّن من منشوراتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.
يسير هذا الاستعداد أيضاً مع خيار آخر معادل له، خيار الموت الفعلي والعاجل بديلاً عن الجوع والذّل والتشرّد، وكلّ مظاهر سوء الأحوال المعيشية التي تندرج تحت مسمّى "الموت البطيء الناعم"، الذي يطاول فئات السكّان كلّها، بدءاً من الأجنّة في أرحام أمهاتهم، إذ ارتفعت نسب الإجهاض، بالإضافة إلى زيادة حالات الولادة بعيوب خلقية وأوزان منخفضة بشكل ملحوظ، نتيجة لسوء تغذية النساء الحوامل خلال فترة الحمل، وقد قضين هذه الفترة تحت وابل القصف والتعرّض لأبخرة ودخان الصواريخ والأسلحة المختلفة، سواء المُعترّف بها أو المحرّمة دولياً، إذ تؤكّد التقارير أن أرض قطاع غزّة كانت، وما زالت، حقلاً خصباً لتجربة أنواع جديدة من الأسلحة المطوّرة والفتّاكة.
قد تتحقّق أمنيات نتنياهو ومخططاته في غياب تحرّك عربي وعالمي إنساني عاجل، يبدأ بإعلان إضرابات عن الطعام في جميع أنحاء العالم تضامناً مع الشعب الفلسطيني، ورفضاً لسياسة التجويع التي يتعرّض لها المواطنون البؤساء في غزّة. وإلا، فإن مخطّطات نتنياهو تتّجه نحو التخلّص البطيء والمدروس من سكّان القطاع على مدار سنوات، لصالح إنشاء ما يسمّى بـ"غزّة المدينة الذكية"، متعدّدة الجنسيات، بعد تهجير السكّان الأصليين تهجيراً طوعياً لمصلحة الولايات المتحدة أولاً.