جريمة منخفضة التكلفة
(Getty)
فجأةً، التفتت امرأة وسحبت شابّاً واقفاً خلفها من ياقته، وضربت رأسه ثلاث مرات في الزجاج. لم يتدخّل أحد، ولم يتكلّم أحد، ولم أفهم. سألت راكباً: ماذا يحدث؟ فأجاب: يبدو أنه تحرَّش بها. قلت: لم ألحظ شيئاً. فردّ: غالباً تحرَّش بها لفظيّاً، ولو ذهبت به إلى الشرطة فسيصدّقونها، وقد يُسجن. هذه قضية راجحة، وضربها له رحمة به.
كان هذا هو موقف التحرّش الأول في إسطنبول، وطوال سبع سنوات لم أشهد سوى موقفَين. أمّا الثاني فكان في مترو الأنفاق، عند منتصف الليل، وكان بالنظر، والمتحرّش كان سكران. وما إن سمح لنفسه بنظرة وقحة حتى قام شابٌّ (مع الفتاة) ووقف أمامه في تحدٍّ وتهديد بالاشتباك. فنظر المتحرِّش إلى الأرض (رغم فارق الحجم بينهما لمصلحة المتحرِّش) وأشار بيده خائفاً ومعتذراً. تدخّلت الفتاة لفض الاشتباك مكتفيةً بهذا الاعتذار، وسط همهمات ركّاب المترو التي حملت تقزّزاً من سلوك المتحرِّش الوقح.
هذه الأمثلة في تركيا، أي في بلد مجاور، ثقافة الأغلبية فيه إسلامية، ولا يخلو من فساد (وتخلّف) في ملفّات أخرى؛ بلد يشبهنا، لكنّه قطع أشواطاً في الحكم المدني ومن ثمّ التنمية بأنواعها، ومنها تنمية البشر. فالتنمية حرية، كما يقول عالم الاقتصاد الهندي (الحاصل على نوبل في الاقتصاد) أمارتيا سن، وهذا ليس شعاراً، بل مدخل إنتاجيّ؛ فالمعادلة تبدأ بتوسيع الحريات، الذي ينتج منه بالضرورة توسيع القدرات، ومن ثمّ إنجاز الأعمال بشكل أكثر جودة. أمّا حصار المجتمع سياسيّاً بالقمع، واقتصاديّاً بالجباية، واجتماعيّاً بالوصاية الأبوية، فلا ينتج سوى الفشل على الأصعدة كافّة. وسواء كان النظام ديمقراطيّاً أو لا، فإن قدرة الأفراد مرتبطة بما يتمتّعون به من مساحات وفق أيّ صيغة. ولذلك فالمجتمعات المتقدّمة التي نظنّ (خطأً) أنها استطاعت أن تتقدّم من دون ديمقراطية (الصين مثلاً) لم تلتزم بالديمقراطية أداةً، لكنّها أنتجت بدائل تضمن مزيداً من الحريات (الوظيفية) لأهداف إنتاجية قبل أن تكون سياسية.
من هنا يمكننا فهم التحرّش في بلادنا؛ فالتحرّش ليس خللاً أخلاقيّاً فحسب، بل خلل في ميزان التكلفة. حين تقلّ تكلفة الجريمة، وتزيد تكلفة الشكوى، تصبح الجريمة نمطاً. والتحرّش في مصر (الآن) "بنية" سياسية واقتصادية لها امتدادات وأذرع اجتماعية ودينية وثقافية، ونظام ثواب وعقاب، ومكافآت وعقوبات؛ فالمتحرِّش يربح، والضحية تدفع، والمجتمع يصفّق للجاني بالصمت أو بالسخرية أو بلوم الضحية (شوفي أنتِ لابسة إيه) أو بالمشاركة (التي لا تخلو أحياناً من تضامن).
الفارق بين مصر وتركيا يبدأ من الدولة؛ فالقانون هناك (في قضايا التحرّش) جادٌّ، رغم تواطؤه مع الجناة في قضايا أخرى (العنصرية ضدّ السوريين نموذجاً). وإذا ذهبت الفتاة لتشتكي فهي مُصدَّقة في الغالب، وهو مُعاقَب في الغالب، إلا إذا توافر دليل قاطع (فيديو واضح مثلاً) بأنه لم يفعل شيئاً. ولا يتوقّف الحفاظ على أمن النساء وحمايتهن عند الأمن الجنائي، بل يتجاوزه إلى "الأمن الثقافي"؛ فلا خطابات دينية تبرّر التحرّش وتطرحه بوصفه "عقوبةً اجتماعيةً" مستحقَّةً لفتاة لم تلتزم بـ"كود" اللباس "المُعتمَد". كما أن خطابات التحريض من هذا النوع اسمها خطابات تحريض، وليس "وجهات نظر" تحميها حرية تعبير مغشوشة، بل جريمة تستوجب المساءلة والعقاب.
ونحن في مصر لا يسعنا (أيّاً كان موقعنا السياسي) أن ننكر أن الدولة شريك متواطئ في التحرّش اليومي بنسائنا. الدولة هي هذا الصامت الذي يدير وجهه عن إنقاذ الضحية، وهي هذا الساخر الذي يبتسم في وجه الكاميرا شماتةً واستخفافاً، وهي من أطلقت أو (على أقلّ تقدير) تساهلت مع خطابات تمنح المتحرِّش مشروعيةَ الدفاع عن دناءته بوصفها ردّة فعل مستحقَّة ولا إرادية (!)، كما أن الدولة وجهازها المفاهيمي هي المسؤول الأول عن "هندسة العار"، التي تتحوّل معها الشكوى إلى فضيحة، ويصبح معها التحرّش "تحفيلاً" منخفض التكلفة، فيما يتحوّل وجود الأنثى في المجال العام إلى مشروع نجاة لا حياة.