ترامب... حالة نفسية تهدّد العالم

08 ابريل 2026
+ الخط -

لم يعد الحديث عن الحالة النفسية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مجرّد مادة إعلامية أو ترف تحليلي أو جزءاً من السجال السياسي بين خصومه وأنصاره، بل أصبح، مع توالي الأحداث، سؤالاً ملحّاً يرتبط مباشرة بالأمن والسلم الدوليين. فمنذ ولايته الأولى، برزت مؤشّرات مقلقة على سلوك غير منضبط أثارت الكثير من الجدل، غير أن هذه المؤشّرات، وكان يُنظر إليها في البداية أنها أسلوب شعبوي أو خروج محسوب عن الأعراف السياسية، تحولت اليوم إلى ظاهرة أكثر وضوحاً وحدّة، خصوصاً في سياق تصعيده أخيراً خلال حربه العدوانية على إيران، حيث لم تعد المسألة تتعلق فقط بمضمون القرار السياسي، بل بطبيعة الشخصية التي تنتجه وتتحكم في إيقاعه.

يضع سلوك ترامب العالم أمام حالة غير مسبوقة من عدم اليقين

أخطر ما في سلوك ترامب لا يكمن في قراراته وحدها، بل الطريقة التي تُصاغ بها، واللغة التي تُعبّر عنها، فالتصريحات المتضاربة، والتراجعات المفاجئة، والانتقال السريع بين التهديد بالحرب والدعوة إلى السلام، كلها مؤشّرات على غياب خط ناظم ومستقر في التفكير وفي صناعة القرار. لا ينسجم هذا النمط من الأداء مع التقاليد الراسخة في إدارة الأزمات الدولية، حيث تقوم الدبلوماسية على التدرج والحسابات الدقيقة، بل يعكس حالة من الاندفاع والتفاعل اللحظي مع الأحداث، وهو ما يجعل من سلوك الرئيس غير قابل للتوقع، ويضع العالم أمام حالة دائمة من الترقب والقلق.
ولعل المثال الأبرز تدويناته التي استخدم فيها أخيراً لغة أقرب إلى خطاب الشارع، لا تليق برئيس دولة، فضلاً عن رئيس أقوى دولة. وتجلت هذه الحالة بشكل أكثر وضوحاً في تدويناته التي تعتمد لغة صادمة وخارجة عن المألوف السياسي مستخدما كلمات سوقية وأوصافاً بذيئة ومهينة في مخاطبة قادة إيران وشعبها، ومهدّداً بعبارات أقرب إلى الانفعال الشخصي منها إلى اللغة الدبلوماسية الصارمة، فإن ذلك لا يمكن تفسيره فقط باعتباره "تصعيداً لفظياً" أو "زلة لسان"، بل هو مؤشر على تآكل القدرة على ضبط النفس والتحكّم في التعبير. وتعكس هذه اللغة، التي ظهرت في أكثر من مناسبة، نمطاً متكرّراً من الانفلات اللفظي، وهو ما يدفع إلى التساؤل بشأن مدى قدرة صاحبها على التحكم في قرارات أكبر وأكثر خطورة، خصوصاً في لحظات التوتر القصوى.
ليس هذا القلق جديداً، وليس وليد الانطباع العام فقط، فقد تناولته تحقيقات صحافية وشهادات وتحليلات رصينة صدرت عن مؤسسات إعلامية وكتب مرجعية، منها كتاب "الخوف" للصحافي بوب وودوارد الذي قدّم صورة لإدارة تعيش حالة "اضطراب عصبي"، حيث يتم اتخاذ قرارات كبرى في غياب الانسجام والتخطيط، بينما كشف كتاب "النار والغضب"، لمستشار ترامب السابق ستيف بانون، عن صراعات حادة داخل البيت الأبيض، وصورة لرئيس يتفاعل مع الأحداث بشكل انفعالي أكثر منه مؤسّساتي. هذه الشهادات، رغم اختلاف سياقاتها، مدعومة بتقارير إعلامية ومقالات رأي، ترسم صورة لرئيس لا تحكمه مبادئ واضحة بقدر ما تحكمه ردود أفعال آنية، وكلها تلتقي عند نقطة أساسية مركزية، مفادها أن سلوك ترامب لا يمكن فصله عن سمات شخصيته المضطربة التي أصبحت تنعكس على طريقة حكمه.
وقد ذهب عدة خبراء في الصحة النفسية إلى أبعد، معتبرين أن هذه السمات تشمل نرجسية مفرطة، واندفاعاً، وضعفاً في التعاطف، وهي خصائص، إذا ما اجتمعت في شخصٍ يمتلك سلطة القرارين، السياسي والعسكري، تتحول إلى مصدر قلق حقيقي. فقد أكّد كتاب “الحالة الخطيرة لدونالد ترامب”، الذي شارك فيه 27 خبيراً في الصحة العقلية، أن هذه السمات لا تبقى محصورة في الشخصية الفردية، بل تمتد آثارها إلى السياسات العامة والعلاقات الدولية. ويستند هذا الطرح إلى ما يُعرف في علم النفس بـ"واجب التحذير"، أي ضرورة التنبيه عندما يشكل سلوك شخصٍ ما خطراً محتملاً على الآخرين، خصوصاً إذا كان في موقع سلطة.
مع ذلك، لا يحظى هذا التفسير بإجماع كامل، فهناك من يرى أن ما يبدو اضطراباً هو في الواقع استراتيجية واعية معتمدة في "الحرب النفسية"، تقوم على إرباك الخصوم وإبقائهم في حالة عدم يقين. وفق هذا الرأي، ليس التناقض في تصريحات ترامب دليلاً على التردّد أو عدم الاستقرار، بل أداة تفاوضية تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من المكاسب، على طريقة رجال الأعمال الذين يرفعون سقف المطالب قبل الدخول في أي صفقة. غير أن هذا التفسير الذي يمنح سلوك ترامب بعداً براغماتياً، حتى وإن حمل قدراً من الصحة، لا ينفي المخاطر، بل ربما يضاعفها، لأن اللعب على حافة الهاوية في العلاقات الدولية قد يؤدّي بسهولة إلى انزلاق غير محسوب نحو التصعيد والمواجهات غير المتوقعة.
في المقابل، يرى منتقدو هذا الطرح أن ما نشهده يتجاوز التكتيك إلى اضطراب فعلي في الشخصية، يتمثل في تضخّم الأنا، ورفض الاعتراف بالخطأ، واللجوء إلى التصعيد آلية دفاعية خاصة في لحظات الضغط الكبرى. هذا النمط يجعل صاحبه أسيراً لصورته الذاتية، يُسقط المسؤولية على الآخرين باستمرار، ويسعى دائماً إلى إثبات التفوّق، حتى لو كان الثمن هو المغامرة بمصير دول وشعوب. وهذا ما يجعل قراراته عرضة للتقلّب، ويجعل من الصعب بناء توقعات مستقرة حول سياساته. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية عندما تصبح القرارات الكبرى، بما فيها قرارات الحرب، مرتبطة بالحالة النفسية لقائد واحد.

في زمن تتقاطع فيه الأزمات الدولية، الاستقرار النفسي لقائد أقوى دولة ليس شأناً شخصياً، بل مسألة أمن وسلام عالميين بامتياز

يعلمنا التاريخ أن القادة الذين يجمعون بين السلطة المطلقة والاندفاع الشخصي غالباً ما يقودون بلدانهم إلى أزمات كبرى. وتتضاعف خطورة هذه الحالة عندما نضعها في سياق القوة التي يمتلكها الرئيس الأميركي، فالأمر لا يتعلق بدولة عادية، بل بقوة عسكرية واقتصادية قادرة على التأثير في مصير العالم بأسره. وفي مثل هذا السياق، يصبح أي خلل في التقدير أو اندفاع غير محسوب ذا عواقب تتجاوز الحدود الوطنية لتطاول النظام الدولي. ولهذا، يشبه استمرار هذا النمط من القيادة، إلى حد بعيد، وضع عنصر شديد الاشتعال في بيئة قابلة للانفجار، حيث يكفي خطأ واحد لإشعال أزمة واسعة النطاق.
قد يبقى الجدل قائماً حول طبيعة سلوك ترامب، هل هو تعبير عن اضطراب نفسي أم أسلوب سياسي غير تقليدي؟ لكن ما يبدو مؤكداً أن هذا السلوك، في شكله الحالي، يُحدِث حالة غير مسبوقة من عدم اليقين في العلاقات الدولية. وفي عالم تتشابك فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، يصبح الاستقرار النفسي للقادة شرطاً أساسياً لضمان الحد الأدنى من التوازن. وعندما يغيب هذا الاستقرار، أو يُوضع موضع شك، يصبح العالم بأسره رهينة أهواء فردٍ ونزواته المرضية.
في النهاية، قد يختلف المحللون بشأن تفسير سلوك ترامب، بين من يراه اضطراباً نفسياً ومن يعتبره تكتيكاً سياسياً، لكن ما لا يمكن إنكاره أن هذا السلوك، بشكله الحالي، يضع العالم أمام حالة غير مسبوقة من عدم اليقين. وفي زمن تتقاطع فيه الأزمات الدولية، يصبح الاستقرار النفسي لقائد أقوى دولة ليس شأناً شخصياً، بل مسألة أمن وسلام عالميين بامتياز.

D6ADA755-48E0-4859-B360-83AB4BBB3FDC
علي أنوزلا

صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED).