بيان شخصي ضد الهزيمة
(إيتيل عدنان)
ثمّة لحظة خفيّة، لا تُرى ولا تُسمَع، يتوقّف فيها المرء عن مطالبة الحياة بالكثير، لا لأنه اقتنع بالقليل، بل لأنه تعب من تبرير رغبته في الأفضل. تلك اللحظة أخطر ما يمكن أن يمرّ به إنسان؛ لأنها لا تأتي على هيئة سقوطٍ مدوٍّ، بل في صورة تسوية داخلية ناعمة، تُقنِع المرء بأن ما لديه كافٍ، وأن الطموح نوعٌ من الجشع المؤدّب، وأن الإيمان بالاستحقاق ترفٌ لا يليق بمن أُنهك طويلاً.
غير أن الحياة، حين تُقرأ بعمق، لا تكافئ من يتقن الانسحاب، ولا تُنصف من يتقن التبرير. الحياة، ببساطة قاسية، تميل إلى الذين يملكون شجاعة الاعتراف بأنهم جديرون، حتى وهم في أكثر حالاتهم هشاشة. ليس الإيمان بالاستحقاق شعاراً تحفيزياً، ولا خطاباً للاستهلاك السريع، بل موقف وجودي حاد، يبدأ من الداخل قبل أن يطالب الخارج بأي شيء.
كثيرون يضعون خططهم كما لو أن المشكلة تقيم خارجهم فقط: مدير ظالم، ظروف اقتصادية خانقة، واقع سياسي مرتبك، أو فرص لا تأتي في موعدها. ذلك كله صحيح، بل أحياناً جارح إلى حد لا يُحتمل، لكن الخطأ يبدأ حين يعتقد المرء أن مهمته الوحيدة تذليل ما يواجهه، لا مساءلة ما يسكنه. فالعقبات الخارجية، مهما تعقّدت، تظل أقل خطراً من تلك التي تتشكّل بصمت داخل النفس، حيث يتعلّم المرء كيف يُقلّل من شأن أحلامه، وكيف يُقنِع ذاته بأن التأجيل حكمة، وبأن التنازل نضج، وبأن الرضا القسري فضيلة.
لا تُبنى الخطط الذكية فقط لمواجهة العالم، بل لاختبار القدرة على مواجهتنا لأنفسنا. أن يسأل المرء ذاته: لماذا لا أطالب أكثر؟ لماذا أتردّد حين أقترب من الفكرة التي تُخيفني بقدر ما تُغويني؟ لماذا أقبل بما لا يشبهني تماماً، ثم أبرّر ذلك بالواقعية؟ هذه الأسئلة ليست جلدَ ذات، بل محاولة جادّة لاستخراج القوة المدفونة تحت طبقات الخوف والتعب والاعتياد.
القوة التي لا نعثر عليها عادة ليست غائبة، بل محاصرة. محاصرة بتجارب قديمة، بخيبات لم تُعالَج، برسائل سلبية تلقّاها المرء باكراً، حتى صار يكرّرها بصوته الخاص. حين يقول أحدهم إنك تبالغ في طموحك، قد تنسى العبارة، لكن أثرها يبقى، يتحوّل إلى صوت داخلي يطلب منك التخفّف، لا التقدّم. وحين يُكافأ المرء على الصبر أكثر من الجرأة يتعلّم أن الصمت أكثر أماناً من المحاولة. غير أن الإيمان بالاستحقاق لا يعني إنكار الواقع، ولا تجاهل التعقيدات، ولا تبنّي وهم السيطرة الكاملة. هو، على العكس، اعتراف صريح بأن الطريق شاقّ، وأن النتائج غير مضمونة، وأن الخسارة ممكنة، ومع ذلك يختار المرء ألا يبدأ من موقع أقلّ مما يستحق. يختار أن يرى نفسه قيمة قبل أن يطلب التقدير، وأن يحترم صوته الداخلي قبل أن ينتظر التصفيق.
ثمّة فرق دقيق بين الطموح النبيل والغرور، بين الثقة والادّعاء. الطموح النبيل لا يحتاج إلى استعراض، بل إلى صبر طويل وعمل صامت. والثقة الحقيقية لا تُعلَن، بل تُمارَس في القرارات الصغيرة: في قول “لا” حين يلزم، وفي المغادرة حين يتحوّل البقاء إلى إهانة، وفي الإصرار على الحلم حتى وهو يتشكّل ببطء.
أن يؤمن المرء بأنه جدير لا يعني أنه أفضل من غيره، بل أنه مسؤول عن نفسه. مسؤول عن حماية طموحه من التآكل، وعن إنقاذ أحلامه من السخرية، وعن إعادة تعريف النجاح بما يشبهه، لا بما يُفرض عليه. هذه مسؤولية ثقيلة، لكنها أقل قسوة من العيش بنصف حياة، ونصف قناعة، ونصف شغف.
قد لا تغيّر الحياة ملامحها فوراً حين نغيّر نظرتنا إلى أنفسنا، لكنها تبدأ، على الأقل، بالتفاوض معنا بجدّية أكبر. لأن المرء الذي يعرف قيمته، حتى وهو يتعثّر، يختلف جذرياً عن ذاك الذي يسير بثباتٍ نحو ما لا يريده حقاً. وبين التعثّر الواعي والاستسلام الأنيق، مسافة شاسعة اسمها الإيمان الداخلي الذي يُستعاد كلما تذكّر المرء أن الحياة ليست اختباراً في الصبر فقط، بل في الجرأة أيضاً، وأن البحث عن القوة الحقيقية يبدأ حين نكفّ عن إنكارها في داخلنا، لا حين نبحث عنها في الخارج وحده.