بورصة الحرب
باتت متابعة الأخبار الواردة عن الحرب الأميركية المرتقبة على إيران مماثلة لمتابعة سوق الأسهم، خصوصاً في الأيام الأخيرة حين احتل صعود وهبوط أسعار الذهب والفضة مساحة واسعة من الاهتمام العالمي. الحال نفسه اليوم مع أخبار اقتراب وابتعاد الضربة الأميركية لإيران، والتي باتت تتغيّر مرّات عدة في اليوم الواحد.
خلال الأسبوع الماضي، عاش العالم على وقع حتمية حصول الضربة الأميركية لإيران خلال ساعات، وبدأت الاستعدادات لاحتمالات اندلاع حرب إقليمية نتيجة الرد الإيراني على الفعل الأميركي. حتى إن الكثيرين حددوا تاريخ حصول الضربة، وكانت الترجيحات أنها ستكون فجر يوم الأحد الماضي. إلا أنها لم تحصل، واستيقظ العالم على مشهد مختلف وبوادر تهدئة ومفاوضات مرتقبة.
لكن هذه الأجواء أيضاً لم تصمد طويلاً، إذ برز الخلاف على مكان المفاوضات والمشاركين فيها والعناوين التي ستتناولها. ففيما تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع المشاركين في المفاوضات وعقدها في تركيا، على أن تتخطى النقاشات البرنامج النووي، لتشمل ترسانة الصواريخ البالستية وتمدّد النفوذ الإيراني في المنطقة، تصرّ إيران على أن تكون المفاوضات ثنائية وتجري في عُمان وتناقش حصراً البرنامج النووي، والذي تبدي طهران حالياً مرونة في الحديث حوله.
هذا الخلاف كان على وشك تفجير المفاوضات، والتي أُعلِن مساء الأربعاء إلغاؤها، ليعود الخطاب الحربي إلى الواجهة، وبلغ ذروته مع التهديد المباشر الذي وجهه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمرشد الإيراني علي خامنئي، مطالباً إياه بـ"القلق"، وهو ما فسر بأنه إشارة ضمنية من ترامب إلى ما حدث مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي اختطفته القوات الأميركية من قصره الرئاسي في كاراكاس.
مجدّداً، لم يصمد هذا التصعيد أكثر من ساعات، لتعود وترتفع أسهم المفاوضات، والتي من المقرر أن تعقد اليوم الجمعة في مسقط، وفق الرغبة الإيرانية. لكن ذلك لم يؤد إلى هبوط أسهم الحرب التي استقرت في مكانها بانتظار ما ستسفر عنه الجولة التفاوضية، خصوصاً أن لا آمال مرتفعة بإمكان حدوث اختراق بفعل تباعد المواقف بشكل كبير بين الطرفين.
تقول المعطيات الأولية إن الولايات المتحدة وافقت على مضض على نقل المفاوضات إلى سلطنة عُمان، بناء على طلب أكثر من دولة عربية وإسلامية، وعلى قاعدة منح فرصة إضافية للدبلوماسية والاستماع إلى ما يمكن أن يحمله الإيرانيون خلال اللقاءات المباشرة. ووفق المعطيات نفسها، والتي سربتها وسائل إعلام أميركية، فإن التجاوب الأميركي مع الطلب ترافق مع تأكيد أن المفاوضات ستواجه الفشل، وأجواء الحرب ستعود إلى الواجهة.
يؤشّر التدخل العربي والإسلامي لإعادة المفاوضات يؤشر إلى القلق الكبير الذي تعيشه دول المنطقة من التداعيات التي سيحملها أي عمل عسكري أميركي ضد إيران. فهذه الدول ترى أن تهديدات طهران جدية جداً هذه المرة، لا سيما في ما يتعلق بإشعال حرب إقليمية لن يكون أحد في منأى عنها، كما أنها لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، ومن شأنها جرّ كثير من الأطراف الدولية إلى ساحة المعركة، سواء إلى جانب إيران أو ضدها.
هذه الوساطة نجحت مرحلياً في تفكيك الأزمة وتأجيل الانفجار في المنطقة، غير أن القول الفصل في مستقبل الأزمة سيكون في الاستحقاق التفاوضي، ومدى انفتاح طهران على نقاشات تتجاوز البرنامج النووي، وهو ما يصر عليه الأميركيون ويرفضه الإيرانيون. غير أن آخر التسريبات الصحافية باتت تتحدث عن استعداد طهران لنقاش برنامجها الصاروخي ودعمها لحلفائها في المنطقة، وهو اختراق كبير في حال تأكدت صحته.
لكن يبقى السؤال يتمحور حول مدى التعنت الأميركي في التعاطي مع هذه المرونة الإيرانية، إن صحت، وخصوصاً أن إدارة ترامب وضعت سقفاً مرتفعاً جداً لن يكون بإمكان الإيرانيين القبول به.
ساعات قليلة تفصلنا عن استبيان ملامح الوضع في المرحلة المقبلة، وإلى أين ستؤدي المفاوضات، وأي مسار ستأخذه أسهم الحرب.