انفراجة ضائقة المضيق؟
قبل أقل من ستة أشهر، وتحديداً في 28 فبراير/ شباط الماضي، بدأ العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران. كثيرة كانت الأسباب التي برّر فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العدوان، في مقدمتها تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ووصلت إلى حدود تغيير النظام. لكن مضيق هرمز لم يكن أبداً من الأسباب، بل لم يخطر ببال رجال الحرب في أميركا وإسرائيل أن تسبب إيران مشكلة في المضيق.
اليوم، لم يعد هناك أي سبب للحرب باستثناء مضيق هرمز، والذي نجحت إيران على مدى الأشهر الماضية في تحويله إلى سلاح فعّال في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كل التصريحات الأميركية اليوم، والتهديدات التي يطلقها ترامب بين حين وآخر، تتمحور حول فتح مضيق هرمز، مع تأكيد دائم على أن "إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً".
باتت هذه العبارة ترد في معظم التصريحات الأميركية، في محاولة للتغطية على النتائج التي أدت إليها الحرب، رغم أن إيران سبق أن أكدت، في أكثر من مناسبة، أنها لا ترغب في امتلاك سلاح نووي، وهو ما ورد أيضاً في إحدى فتاوى المرشد الراحل علي خامنئي.
مطلع الأسبوع، عاش العالم والمنطقة ساعات من التوتر بانتظار تنفيذ الرئيس الأميركي تهديده بتوجيه "ضربة قوية" إلى إيران لاستمرارها في إغلاق مضيق هرمز، رغم مذكّرة التفاهم التي وقعت بين البلدين في إسلام آباد، ويتمسك فيها كل طرف بتفسيره الخاص لبنودها.
غير أن ترامب، وكالعادة، تراجع في اللحظة الأخيرة عن تنفيذ تهديده، متذرعاً بأن طلبات وصلته من إيران وبعض الدول الخليجية لمنح فرصة إضافية للتفاوض. وهو أمر صحيح في الغالب، خصوصاً من دول خليجية بات يقع عليها الضرر الأكبر اليوم من جراء الحرب، مع تراجع إنتاج النفط وتصديره، إضافة إلى تعرّض بعض منشآتها الحيوية لقصف إيراني، وهو ما كان يمكن أن يتكرّر بقوة أكبر في حال حصول ما هدّد به ترامب، أي ضرب محطات الطاقة والمنشآت النووية في إيران.
حتى الساعة تبدو المفاوضات الجارية بين سلطنة عُمان وإيران على إدارة العبور في مضيق هرمز ماضية في طريق انفراج هذه الضائقة التي أصابت العالم بأسره. فقبل الحرب، لم نكن نلتفت إلى أهمية مضيق هرمز على التجارة العالمية، قبل أن نكتشف أنه الشريان الحيوي الأساسي لهذه التجارة، ليس للنفط ومشتقاته فقط، بل أيضاً لمنتجاتٍ كثيرة تتدفق إلى الأسواق العالمية.
ورغم أجواء التفاؤل بإمكان التوصل إلى اتفاق، إلا أن لا شيء محسوماً بعد، فالشيطان دائماً في التفاصيل، خصوصاً في حال أصرّت إيران على موقفها بعدم فتح المضيق قبل تغيير السلوك الأميركي، إضافة إلى إصرارها على تحصيل رسوم من السفن العابرة تحت مسمى "رسوم خدمات لحماية البيئة"، وهو ما لا يزال الأميركيون متمسكين برفضه.
ما هو مسرّب من بنود الاتفاق المرتقب يتجنب مسألة الرسوم، غير أنه سيكون اتفاقاً مؤقتاً ل60 يوماً قابلة للتمديد، مع منح إيران دوراً أكبر في إدارة المضيق مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب، الأمر الذي قد يكون عقدة في المستقبل في حال تعثرت المفاوضات الأميركية الإيرانية مرة أخرى، إذ سيبقى المضيق رهينة في يد الحرس الثوري، وهو ما يرفضه الأميركيون، والذين يريدون اتفاقاً نهائياً يبقي المضيق مفتوحاً.
هذه التفاصيل قد لا تشكل عقبة الآن، خصوصاً أن الاتفاق سيكون مرحلياً لفترة محدّدة ستكون كافية لإحداث انفراجة في الأزمة، وتبيان مسار الأوضاع السياسية والميدانية، سيما أن لا أحد اليوم يريد العودة إلى الحرب، باستثناء إسرائيل. حتى الدول التي كانت تحرض قبل أعوام على مهاجمة إيران، باتت مدركة خطورة الحرب على مستقبل المنطقة، وأصبحت من الضاغطين لمنع تكرر الهجمات.