الموتى لا ينتحرون

13 مايو 2026   |  آخر تحديث: 07:30 (توقيت القدس)
+ الخط -

أصبحت الجملة الشعرية الشهيرة: "باقون... ما بقي الزعتر والزيتون"؛ شعاراً يردّده الفلسطينيون وهم يحتفون بفعل الصمود فوق الأرض الفلسطينية (أو بقاياها) التي تنقص يومياً، ويُقتّلون عليها وفيها، التي اختلط ترابها بدمهم وجُبِلا معاً. إنّها الجملة التي ما فتئت تعبّر عن شعب كان (وما زال) مختبراً تجريبياً لكلّ أنواع الممارسات الاستعمارية التي استهدفت وعيه الوطني، وتركيبته الاجتماعية، وشعوره الجمعي، هذا بالإضافة إلى أنواعٍ أخرى من تجريب أنظمة المراقبة والمعاقبة، وتجريب أسلحة وصواريخ وتكنولوجيا وأنظمة حرب جديدة، وممارسات وصلت إلى حدّ إخراج الجثامين من القبور واحتجاز الجثامين وسرقة الأعضاء، وكلّ ما للتوحّش الإسرائيلي من وجوه وأياد. إنّ جملة هذه الممارسات وسواها، وما فينا، نحن الفلسطينيين، من عيوب وخطايا تطوّرت عبر تاريخنا القاسي والطويل، أنتجت الحالة الفلسطينية الراهنة؛ المريضة والمُشوَّهة، التي يزعم كاتب هذه السطور أنّه لا يمكن مقارنتها بأي حالة أخرى على مرِّ التاريخ؛ إنّها فريدة في غرابتها، وعصيّة على التفسير والفهم حتّى لأبنائها أنفسهم.

لا يمكن النظر إلى انتخابات الهيئات المحلّية أخيراً في الضفّة الغربية المحتلّة ودير البلح وسط قطاع غزّة، أنّها فعلَ صمود فوق الأرض الفلسطينية

ربّما ليس مبالغة القول إنّ هذه الغرابة (وهذا التشوّه) طاولت معنى الصمود نفسه؛ إذ لا يمكن النظر إلى انتخابات الهيئات المحلّية التي أُجريت نهاية الشهر الماضي (إبريل/ نيسان) في الضفّة الغربية المحتلّة ودير البلح وسط قطاع غزّة، أنّها تندرج، كما يسوَّق لها، فعلَ صمود فوق الأرض الفلسطينية، فلا التوقيت، ولا القانون الانتخابي الجديد، ولا آليّات الترشّح، ولا التركيبة الاجتماعية والعشائرية للقوائم، ولا حجم الزخم فرحاً واحتفالاً وتنافساً وتناحراً... لا يمكن استيعاب ذلك كلّه في ظلّ هذه المآسي التي لا يحتاج كاتب هذه المقالة لاستعراضها شرحاً وتوضيحاً، ولا الانتخابات الداخلية المقبلة، سواء لدى حركة فتح في مؤتمرها الثامن أو لدى حركة حماس في صورتها الشورويّة كما صرّحت، تندرج ضمن ذلك الصمود، أو حتّى تجديد الشرعيات. والمتابع، ولو من بعيد، لما يُنشر ويُقال، ولحجم الزّخم المعطى لهذا وذاك، في ظلّ القتل والجوع وخسارة الأرض والإنسان، يدركُ تماماً هذا الاختلال. إنّه يندرج تحت إطار ليس بالإمكان تجاهله اليوم؛ تقديمُ الميّت على أنّه حي يسعى.
في العمق؛ يُقدّم الوضع الفلسطيني على أنّه حيٌّ، وأنّه قابل للاستثمار والاستمرار بصورته المشوّهة الحالية، وأنّ هذه الخسارات القاسية المستمرّة التي طاولتنا يمكن الاستمرار بعدها وفيها والتعايش معها، ويجري على نحوٍ غريب تجاهل الواقع وطنياً وسياسياً واقتصادياً، لمصلحة إعلاء كفّة الوهم. ثمّة صورة دولة، أو شكل من أشكالها، في بعض الدول، فتُجرى انتخابات وبرلمانات ومجالس، ويُستثمر في جيوش، مع أنّ القرار فيها يُتّخذ من أميركا أو من الديكتاتور في أحسن الأحوال. لكن في الحالة الفلسطينية لا شكلَ دولة حتّى؛ إذ المستوطنون باسطو أسلحتهم، والجنود من أمامهم، والأراضي والطرق الالتفافية والشهداء، فلا سيادة على شبر، ولا اعترافَ إسرائيلياً بأي سلطة أو اتّفاق، بل اعترافٌ وحيد بالتوحّش تمارسه آلة القتل وآلة تقنين إعدام الفلسطينيين وغيرها من القوانين وما سيأتي، هذا بالإضافة إلى الحالة الاقتصادية التي لا تُوصف، فأنصاف وأرباع رواتب للموظفين، ولا حركة اقتصادية في القطاع الخاصّ ولدى العمّال، حتّى إنّ عائلاتٍ في الضفّة الغربية باعت من أثاث منازلها لتأكل، ولا حاجة إلى القول إنّ الناس في غزّة أكلوا أوراق الشجر وماتوا جوعاً.

الانتخابات الفلسطينية محاولات لنفخ الروح في جثّة أمام مجتمع دولي لا يرانا أصلاً

ألا يستدعي هذا الجنون كلّه استقالة؟ استقالة من دورنا المسرحي في منظومة الوهم الدولي، إنّنا ننتحر من دون شجاعة حتّى، ننتحر ببطء وعلى مراحل، وكما يُراد لنا، و"الموتى لا ينتحرون"، كما قرّر كاتب فلسطيني قبل أعوام (سامح خضر، "الموتى لا ينتحرون"، دار الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2016)، إنّنا في حاجة إلى ما لا تفهمه الواقعية السياسية، إلى أن ننهار... إلى أن يتوقّف الوهم، إلى مصارحة مع العالم الذي استثمر في تدجيننا وإدارة هذا الشكل الاستعماري عشرات السنوات، ويمدُّ شروطه التي لا نهاية لها على المناهج والمدارس والرواتب ومواد البناء وأنواع الطعام والعلاج وجيوب بناطيلنا وسراويلنا الداخلية، مقابل أن نأكل كسرة مغمّسة بالذل، وأن نتسّلم خيمة جديدة، لأنّ سُلّم التنازلات قاسٍ ولا نهاية له، ما إن نزلنا حتّى أصبح علينا النزول أكثر، ولا قاع أبعد من هذا.
ليسَ هناك بدائل يقدّمها الكاتب أو يفكّر فيها تماماً، لكنّه لا يرى هذه الانتخابات صموداً ولا تجديداً للقيادات. نستحقّ أولاً اعترافاً بالفشل، أحزاباً وبرامج وسياسيين، ثمّ إعلان انهيار النظام ودوره الوظيفي، ثمّ نبحث عمَّن يقود شتاتنا ويلملمه على أسس وطنيّة. أمّا الانتخابات، وما يرافقها من انعزال عجيب عن الواقع، فلا تكفي صحيفة كاملة لوصفهما للجوعى والمقتولين والمُهجَّرين وسكّان الخيام، فليست سوى محاولات لنفخ الروح في جثّة أمام مجتمع دولي لا يرانا أصلاً، وتمديد حالة الموت البطيء للمجتمع الفلسطيني الذي ضاقت عليه الدنيا، وضاقت به.

مهند ذويب
مهنّد ذويب
كاتب وصحفي فلسطيني في الرباط.